فقدان الشغف

00:01 صباحا
قراءة دقيقتين

وجود فجوة واسعة بين الطموح والواقع، يدل على مستوى عالٍ من التوتر الإبداعي بين مثقفي العالم، ما يطرح سؤالاً قوياً حول قدرة الكاتب على استيعاب قدر أكبر من التوتر، وفي إطار تتبع الآداب العالمية نكتشف أن هناك الكثير من الكتاب ممن استطاعوا استيعاب مشاكلهم الخاصة، وترجموها في أعمال أدبية رصينة، وأكثر من ذلك، فقد استطاع هؤلاء أن يستمروا في الكتابة وينتجوا أعمالاً إبداعية ذات قيمة فكرية وفلسفية كبيرة.
أما في عالم اليوم الذي يتسم بكثير من الأزمات الذاتية والمعاشية، وفي حالات التشوه الاجتماعي والإنساني الذي تعيشه المجتمعات، فقد صارت أزمة الإبداع في خطر كبير، وصارت تشكل ضاغطاً نفسياً ووجودياً، يعانيه الكثير من الكتاب. أصبح الكاتب يعيش رحلة من الإرهاق النفسي الذي يحول بينه وبين الإبداع، وممارسة الشغف أو الحماس الإبداعي، وهذا بات يدفع كثيراً من المبدعين إلى حالات من التوتر الشديد و«المرضي أحياناً»، حيث يجد الكاتب نفسه واقعاً تحت سطوة «مشتتات» لا حصر لها، تشعره بالاستنزاف الإبداعي، ولأن الكتاب يميلون بطبيعتهم إلى إيجاد الحلول، فغالباً ما يعتقدون أن بمقدورهم الخروج من المشكلة بخطوات بسيطة، لكن الشواهد التي نتابعها في عالم اليوم، باتت تسجل العديد من حالات العزلة بين الكتاب، وهي مع الأسف عزلة سلبية، لا تنفع معها كافة سبل التعافي، التي تحول دون تدفق الإلهام أو الإبداع، هنا، تتفاقم معاناة الكاتب، تحت تأثير الضغط النفسي، فيتعذر عليه مواصلة الكتابة، وهو أمر يشكل معضلة في نفس الكاتب، حين يجد صعوبة بالغة في استخدام قدراته الإبداعية الكامنة.
بعض الدراسات الجديدة، تتحدث عن مسألة فقدان الشغف، باعتبارها مسألة شائكة تصاحب الكثير من المبدعين المعاصرين، ممن يعيشون تحت وطأة ما يسمى في المصطلح النقدي (حالة من الجمود الإبداعي)، الذي قد يبدو مرتبطاً بشكل مباشر بالكتابة نفسها، كجمود الحبكة، التي تعيق حرية تدفق الأفكار.
هذا الاستنزاف، أصبح سمة الزمن الراهن، الذي يتعايش معه الكثير من المبدعين، الذين ينتظرون رحلة طويلة من التعافي، لبناء حياة جديدة تدعم هذه الطاقة الحيوية المفقودة.
ينصح البعض بكثير من الإرشادات لاستعادة حيوية الإبداع، كتقليل الضوضاء، ليتمكن الكاتب من استعادة التدفق الإبداعي، ومن ذلك، تغيير بيئته، وروتينه اليومي، ودفعه إلى تجريب هوايات جديدة، تساعده على استعادة حماسه الإبداعي، وذلك حتى لا يستسلم لفقدان الشغف، فيقع تحت وطأة صراع داخلي، وتوتر عاطفي، يودي به إلى الصمت والعزلة الخانقة، والصدمة العاطفية التي تقتل منابع الخيال والإلهام.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب وشاعر وصحفي أردني، عمل في الصحافة الأردنية / في القسم الثقافي بجريدة الدستور ، ويعمل اليوم محررا في جريدة الخليج الإماراتية / القسم الثقافي، صدرت له عدة كتب: "ظلال" ، وردة الهذيان / ، وكبرياء الصفة / ، وصدر له في الإمارات كتاب "محطات حوارية مع وجوه ثقافية إماراتية" . له كتاب مترجم غير منشور/ قصائد عن الإنجليزية، نشرت بعض هذه القصائد في "ثقافة الدستور" وفي مواقع إلكترونية محكمة مثل موقع "جهة الشعر.
شارك في أماسي وملتقيات شعرية عربية كثيرة، عضو رابطة الكتاب الأردنيين ، وعضو نقابة الصحفيين الأردنيين. وعضو الاتحاد الدولي للصحفيين.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"