لغة العزلة

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

في هذا الزمن الذي يتسيده الانفجار الرقمي الناتج عن ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية ومواقع التواصل الاجتماعي، أضحت الرموز التعبيرية، أو ما يعرف بـ«الإيموجي» هي العملة المتداولة في سوق المشاعر الإنسانية المتقشفة؛ وتحولت تلك الوجوه الصفراء الجامدة إلى لغة بديلة تختزل أعقد خلجات النفس البشرية في بضع «بكسلات» ملونة، ما يطرح تساؤلات وجودية حول ماهية التواصل في عصرنا الحديث.
وبدلاً من أن تكون هذه الرموز جسراً للعبور نحو الآخر، صارت في جوهرها جداراً سميكاً من العزلة المقنعة؛ يتحرم الفرد من لذة الكلمة ومنطق الحوار، لنتحول تدريجياً إلى كائنات صامتة تعبر عن وجودها بضغطة زر، وتختصر آلامها وآمالها في أيقونات تفتقر إلى حرارة الأنفاس ورعشة الصوت. هنا تكمن الجريمة الكبرى في حق المعنى؛ فتغتال الدلالات اللغوية على مذبح السرعة والاختزال.
ووفقاً لهذه الرموز، تصبح العبارات التي كانت تهز الوجدان مجرد صور مكررة تفقد قيمتها بمجرد إرسالها؛ فالحب الذي كان يُبنى بالقصائد والرسائل المملوءة بالشجن، صار قلباً أحمر صغيراً ينبض في فراغ الشاشة. والاعتذار الذي كان يتطلب مواجهة وانكساراً، صار وجهاً حزيناً لا يملك من أمره شيئاً. إننا نعيش عصر 'السيولة المشاعرية'، على طريقة باومان في وصفه للحداثة بـ'الحداثة السائلة'، إذ تذوب الروابط المتينة، وتتحول إلى علاقات هشة عابرة يحكمها 'الإيموجي' الذي يعمل كأداة للتخدير الاجتماعي.
إنَّ تشظي العلاقات الاجتماعية اليوم ليس إلا نتيجةً حتمية لهذا الاستسهال التعبيري؛ إذ تلاشت الحميمية وانسحب الإنسان من الفضاء العام إلى عزلته الرقمية المريحة، مكتفياً بإرسال إشارات ضوئية لزملائه في 'السجن الكبير'. وبذلك، يفقد الإنسان تدريجياً قدرته على فك شفرات المشاعر لدى الآخرين، ويتحول المجتمع إلى جزر منعزلة تتواصل عبر شيفرات بدائية تشبه في جوهرها نقوش الكهوف، لكنها تفتقر إلى صدقها وفطرتها. ليبقى السؤال معلقاً في أفق هذا التيه الرقمي: هل نحن بصدد ابتكار لغة عالمية جديدة، أم أننا نشهد مراسيم جنازة المعنى الإنساني الذي تشكل عبر آلاف السنين من الاجتهاد اللغوي والتواصل الروحي العميق؟
إنَّ الإيموجي ليس مجرد أيقونة، بل يحمل دلالة خطِرة على عدم تحمل مسؤولية الكلمة والتواصل الحقيقي؛ فبينما نظن أننا نبتكر لغة عالمية توحدنا، وجدنا أنفسنا نغرق في عزلة اختيارية، حيث تتشظى المعاني وتتلاشى الروح خلف بريق الشاشات الباردة. ليبقى التواصل الحقيقي مرهوناً بالعودة إلى اللقاء المباشر، بكل ما يحمله من دفء ومقدرة على تعبيرٍ لا يمكن لأي وجه أصفر جامد أن يختصره أو يمنحه الحياة، مهما بلغت دقته.

[email protected]

عن الكاتب

صحفي وكاتب سوداني، عمل في العديد من الصحف السودانية، وراسل إصدارات عربية، وعمل في قنوات فضائية، وكتب العديد من المقالات في الشأن الثقافي والسياسي، ويعمل الآن محررا في القسم الثقافي في صحيفة الخليج الإماراتية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"