المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به.. ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.
مفردة بلد من الألفاظ العربية التي تحفل بالدلالات والمعاني، وكذلك بالمشتقات العديدة، وهي من الألفاظ التي استخدمت في الماضي ولا تزال تستخدم في عصرنا الراهن، وحالها حال باقي مفردات العربية إذ يتغير المعنى بتغير التشكيل والحركة الصوتية للحروف، والملاحظ أن هذه الكلمة قد احتفظت بدلالاتها حتى في عصرنا الحديث هذا.
استُخدمت كلمة «بَلَدُ» للإشارة إلى موضع من الأرض يأهله السكان، وقد يكون خالياً، وجمعها بِلَادٌ، وَبُلْدَانٌ، وَأَبْلَادٌ، وَأَبْلُدٌ، وَبَلَائِدُ، ففي عصر ما قبل الإسلام (الجاهلية): نجد شاهداً من قول مالك بن فهم الأزدي، يذكر فيه نأيه عن جيرانه، فيقول:
بِلَادٌ قَدْ نَأَى عَنْهَا مَزَارِي
وَجِيـرَانُ الْمُجَـاوَرَةِ الْأَدَانِي.
أما في عصر الإسلام فقد قال دريد بن الصمة:
وَهَلْ أَنْتَ إِلَّا بَيْضَةٌ مَاتَ فَرْخُهَا
ثَوَتْ فِي سُلُوخِ الطَّيْرِ فِي بَلَدٍ قَفْر.
وفي القران الكريم، نجد قول الله تعالى: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ».
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الْبُنْيَانُ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا الْمَكَانَ، وَيُوشِكُ الشَّامُ أَنْ يُفْتَحَ فَيَأْتِيهِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ فَيُعْجِبُهُمْ رِيعُهُ».
أَمَّا فِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ، فَقَدْ قَالَ الْبَعِيثُ الْمُجَاشِعِيُّ:
وَنَحْنُ حَدَرْنَا طَيِّئاً عَنْ بِلَادِهَا
وَنَحْنُ رَدَدْنَا الْحَوْفَزَاتِ مُكَلَّمَا
وورد في عصر الدول والإمارات، قَوْلُ ابْنِ الْآبَارِ مُتَرْجِماً لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِاللَّهِ: «وَدَخَلَ الْعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ وَأَقَامَ بِهَا أَعْوَاماً، وَطَارَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ».
أما في العصر الحديث، فقد قال الْبُجَيْرِمِيُّ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ: «وَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى حَصَّتِ الرُّؤْيَةُ لِلْبَلَدِ الشَّرْقِيِّ لَزِمَ رُؤْيَتُهُ فِي الْبَلَدِ الْغَرْبِيِّ».
بَهَجَ (بِفَتْحِ الهاءِ) الشَّيْءُ فُلاناً يَبْهَجُ (بِفَتْحِ الهاءِ) بَهْجاً: حَسُنَ ونَضُرَ، من المفردات العربية التي تحمل كذلك عدداً من الدلالات والمعاني، واستخدمت في عصور عربية مختلفة، وتشير في معانيها الكلية إلى الحسن والنضارة، وكذلك السرور والفرح، وتستخدم إلى الآن بذات المعنى الذي يسرب إلى النفس الشعور بالفرح والسرور والسعادة، فهي من الألفاظ ذات الحمولة الإيجابية.
ووردت العبارة في عصر ما قبل الإسلام في قول الشاعر عبد مناف بن ربع الهذلي:
وَجَاءَ رَيْعَانُ جَرَادٍ مَائِجَةْ
سُمَّ الرَّبِيعِ فَاسْتَسَرَّ بَاهِجُهْ.
والملاحظ أن المعنى في البيت يحمل تلك الدلالات التي تشير إلى الجمال الذي اختفى عندما غابت عن الربيع (بَهجته) بسبب ما فعله الجراد.
أما في العصر العباسي، فقد قال أبو إسحاق القيرواني وهو يصف كتاباً:
«قَدْ أَهْدَيْتَ إلى مَحاسِنِ الدُّنْيا مَجْموعَةً في ورَقِهِ، وباهِجَ الحَلْيِ والحُلَلِ مَحْصورَةً في طَبَقِهِ».
أما في عصر الدول والإمارات فقد قال عَبْدُاللهِ اليافِعِيُّ يَمْدَحُ الإِمامَ الشّافِعِيَّ:
إِمامَ الهُدَى السّامي عُلىً أَوْ بَراعَةً
ونورَ الوجودِ الباهِجِ الـمُتَشَعْشِعا.
وهي هنا وردت بذات معاني الحبور والجمال.
واللغة العربية فيها من المفردات والألفاظ القوية التي تقود إلى المعنى المباشر، ومنها كلمة «بَلَعَ»، وهي التي تشير في معانيها الكلية إلى ازدراد الشيء، وظلت تستخدم لعصور مختلفة بذات الدلالات حتى يومنا هذا حتى في الكلام العامي في مختلف البلدان العربية.
والفعل بَلَعَ (بِفَتْحِ اللّامِ) فُلانٌ الشَّيْءَ يَبْلَعُ (بِفَتْحِ اللّامِ) بَلْعاً: ازْدَرَدَهُ وجَرَعَهُ، واستخدم في ذات المعاني في مراحل زمانية مختلفة، ففي العصر الإسلامي ورد في القرآن الكريم قول الله ﷻ: ﴿وقيلَ يا أَرْضُ ابْلَعي ماءَكِ ويا سَماءُ أَقْلِعي وغيضَ الماءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوتْ على الجودِيِّ وقيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمينَ﴾. (هود: 44)
كما قال النَّبِيُّ ﷺ وهو يُجيبُ زَوْجَهُ عائِشةَ عِنْدَما سَأَلَتْهُ عَنْ طَهارةِ الحَدَثَيْنِ حينَ يَذْهَبُ إلى الخَلاءِ: «يا عائِشةُ أَو ما عَلِمْتِ أَنَّ الأَرْضَ تَبْلَعُ ما يَخْرُجُ مِنَ الأَنْبِياءِ».
أما في العصر الحديث فقد قال البُجَيْرَمِيُّ وهو يَذْكُرُ ما يُسَنُّ تَرْكُهُ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لحِكْمةِ الصَّوْمِ: «وتَرْكُ عَلْكٍ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرّيقَ، فَإِنْ بَلَعَهُ أَفْطَر».
- أعمال هادفة تتضمن رسائل ترتقي بالعقل والوجدان
أنتجت الممارسة المستمرة والمتطورة لفن المسرح في الدولة العديد من الفرق والجماعات المسرحية التي مثلت حجر الزاوية في النهضة التي تشهدها الدولة في مجال «أبو الفنون»، في الإمارات التي أولت هذا النشاط أهمية قصوى خاصة في إمارة الشارقة التي يعتبر المسرح فيها من أهم الأركان التي ينهض عليها المشروع الثقافي في الإمارة بدعم سخي ورعاية وإشراف من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، رجل المسرح الأول في الدولة، ليس فقط عبر الدعم المالي واللوجستي بل وكذلك الكتابات والمقولات المسرحية.
فرقة «مسرح الشارقة الوطني»، تقف ضمن أهم وأعرق الجمعيات الفنية في تاريخ الحركة المسرحية الإماراتية، إذ تأسست الفرقة في عام 1978، لتكون من أوائل الكيانات المسرحية المنظمة في دولة الإمارات، وجاء هذا التأسيس نتاج رؤية ثقافية عميقة لصاحب السمو حاكم الشارقة، الذي آمن بأن «المسرح مدرسة للأخلاق والحرية»، بالتالي فإن الفرقة نفسها، في فكرة تكوينها، كانت تتمثل رؤية راقية، فعملت على صناعة الأعمال الهادفة التي تتضمن الرسائل وتوجّه المجتمع وتسهم في عمليات التربية والتنشئة وتشكيل الأجيال الجديدة، عبر رفع الوعي والذائقة الفنية والتعريف بأهمية المسرح في حياة الشعوب والأمم والمجتمعات، كما ظلت الفرقة تقيم الندوات واللقاءات واستدعاء كبار الكتاب والفنانين من مختلف العالم العربي لإلقاء هذه المحاضرات.
ولم يكن عام 1978، سوى التاريخ الرسمي لإشهار الفرقة التي ظلت موجودة قبل ذلك الوقت وتنثر إبداعها في الحراك المسرحي بالدولة، حيث كان الميلاد الحقيقي للجمعية في نهاية عام 1973، باسم جمعية الشارقة للفنون الشعبية والمسرح، وضمت العديد من المسرحيين النجوم الكبار في ذلك الوقت من أمثال عبدالله المناعي وعلي خميس وعبد الرحمن الصالح وإسماعيل حسين وغيرهم، وكانت الشارقة حينها تعج بالفرق المسرحية الأخرى، ولعل من أهم المنعطفات في تاريخ «مسرح الشارقة الوطني»، هو دمجها مع فرقة «مسرح الإمارات»، وذلك بتوجيه من صاحب السمو حاكم الشارقة الذي بذل جهداً كبيراً في تطوير الفرقة ودعمها منذ انطلاقتها، فكانت أول فرقة تمتلك وسيلة للمواصلات وأدوات خاصة بها، وتنقلت الفرقة في عدد من المقار حتى استقرت أخيراً بالمنطقة التراثية في الشارقة القديمة.
وقبل الإشهار الرسمي قدمت الفرقة عروضاً مهمة مثل: «شمس النهار» عام 1977 من تأليف توفيق الحكيم وإخراج صقر الرشود وبطولة عبد العزيز الفضلي وعبدالله المناعي وعلي خميس وغيرهم، وقد حضر العرض الأول في قاعة إفريقيا صاحب السمو حاكم الشارقة وجمهور غفير، وتشكلت وقتها ملامح هذه الفرقة التي ربحت الرهان عليها، حيث تطورت بشكل كبير وأصبحت مؤثرة ليس على الحراك الفني الإماراتي فقط، بل انداحت لتشاهد عروضها في كل العالم العربي، حيث آمن الجيل المؤسس لمسرح الشارقة الوطني بهذا الفن كرسالة تستطيع خدمة الثقافة بوجه عام والدفع بالتطور الحضاري للإمارات إلى الأمام.
آمنت الفرقة بأهمية العمل الإعلامي في مسيرتها وتطورها، حيث يشير المسرحي والمؤرخ عبدالإله عبد القادر إلى أن العام 1979، شهد صدور العدد الأول من مجلة «الرولة» المعنية بنشر الثقافة المسرحية في الإمارات، وصدر العدد الأول والثاني بترويسة تشير إلى أن المجلة هي نشرة شهرية يصدرها مسرح الشارقة الوطني، حيث اهتمت بالفعل المسرحي في الشارقة والدولة ككل، إذ تضمنت حوارات ولقاءات وأخباراً ومسرحيات مترجمة وشرحاً للمصطلحات المسرحية وتحولت المجلة بدءاً من العدد الثالث الصادر عام 1983 إلى مجلة فصلية تصدرها اللجنة الثقافية في مسرح الشارقة الوطني.
عبر مسيرتها الممتدة، احتشدت الفرقة بالعديد من الأسماء لقامات مسرحية كبير تنوعت بين ممثلين ومبدعين، ومخرجين وسينوغرافيين، وكتاب نصوص أثْروا خشبة المسرح بأعمال خالدة، ومن أهم هذه الأسماء في جيل التأسيس من الرعيل الأول، الفنان أحمد الجسمي الذي يعد الواجهة الأبرز للفرقة ورئيس مجلس إدارتها الحالي، حيث بدأ مسيرته في السبعينات وقدم عشرات الأعمال التي نال عنها جوائز كبرى في الداخل والخارج، وهناك أيضاً مريم سلطان رائدة المسرح الإماراتي، إضافة لمريم سيف وسميرة أحمد، وكذلك محمد الحمر وهو من أصحاب البصمات الكبيرة، ولعل أبرز المخرجين الذين مروا بتاريخ الفرقة، المتألق محمد العامري صاحب الروائع المسرحية الكبيرة والذي نقل العروض نقلات واسعة عبر توظيفه لأساليب جديدة في العمل المسرحي، وعلى مستوى الكتابة برز إسماعيل عبدالله، الذي شكل ثنائية فنية مع محمد العامري في معظم إنتاجات الفرقة الكبرى التي نافست محلياً وعربياً.
خلال السنوات الأخيرة، شكلت الفرقة حضوراً طاغياً، سواء على المستوى المحلي، خاصة في «أيام الشارقة المسرحية»، أو عبر المشاركات الخارجية، حيث قدمت عروضاً نالت التقدير والجوائز ورسخت من مكانة الدولة المسرحية، ومن أهم تلك العروض: «رحل النهار»، وتُعد من أهم إنتاجات الفرقة مؤخراً، من تأليف إسماعيل عبدالله وإخراج محمد العامري. فازت بـ 7 جوائز في أيام الشارقة المسرحية، بما في ذلك جائزة «أفضل عرض متكامل»، كما توجت بجائزة «الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي»، خلال مهرجان المسرح العربي في المغرب عام 2023، ومسرحية «17 ساعة» وهي عمل تجريبي مستوحى من نص «هذيان ثنائي» ليوجين يونسكو، من إخراج عبدالله محمد. فازت بجائزتي أفضل سينوغرافيا وأفضل ممثلة دور أول في مهرجان الإسكندرية المسرحي الدولي بمصر عام 2025.
وهناك أيضاً مسرحية «كيف نسامحنا»، ومسرحية «مجاريح» الفائزة بجائزة أفضل عرض مسرحي متكامل في مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي «الدورة الثالثة»، وعرض «بابا»، وهناك كذلك مسرحية «الزغنبوت»، التي مثلت الإمارات في عدد من المناسبات المسرحية العربية، وهناك أعمال ملحمية مثل: «الزير سالم»، ومسرحية «الناموس»، وغير ذلك.
كانت قمة توهج الفرقة الإبداعي عند لحظة تقديمها عروضاً من تأليف صاحب السمو حاكم الشارقة، وهي الأعمال التي تنقب في التاريخ وتنفتح على الحاضر وتستشرف المستقبل العربي، حيث تحتشد بالرؤى والأفكار، وتعكس رؤية سموه للعمل المسرحي إذ يقول: «نحن كبشر زائلون ويبقى المسرح ما بقيت الحياة»، ولعل من أهم تلك العروض التي قدمتها الفرقة من تأليف سموه: «مسرحية النمرود»، التي تعد بالفعل نقلة كبيرة في تاريخ هذه الجمعية، إذ لقيت صدى كبيراً ليس على المستوى العربي فقط بل وكذلك العالمي، حيث عرضت في الكثير من المسارح الدولية منها مهرجان «سيبيو الدولي للمسرح» في رومانيا، ومسرح موسكو للفنون «غوركي» في روسيا، بالإضافة إلى عروض في إسبانيا «إشبيلية ومدريد»، حيث نالت إشادة واسعة من النقاد والجمهور.
وهناك أيضاً مسرحية «البراق وليلى»، التي قدمت مؤخراً في مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، ومسرحية «داعش والغبراء»، والتي عرضت كذلك في جولات خارجية للفرقة، ومسرحية «عودة هولاكو»، حيث قدمت برؤية إخراجية رصينة جسدت مأساة سقوط الحضارة وضرورة النهوض، ومسرحية «القضية»، والتي تميزت بإنتاج ضخم ومشاركة نخبة من كبار ممثلي الفرقة، وكذلك كان الحال مع مسرحية «الواقع صورة طبق الأصل»، ومسرحية «شمشون الجبار»، ومسرحية «كتاب الله: الصراع بين الظلام والنور»، ولأن نصوص صاحب السمو حاكم الشارقة، هي كتابات فكرية وتاريخية، فهي تتطلب مهارات تمثيلية وإخراجية عالية، وقد نجحت فرقة مسرح الشارقة الوطني في تحويل هذه النصوص إلى «ملاحم بصرية» حصدت بفضلها أهم الجوائز العربية.
ــــــــــــــــــــــــــ
ملامح
-تأسست الفرقة عام 1978.
-أصدرت الفرقة في عام 1979 مجلة الرولة.
-أهم العروض: «شمس النهار»، «كيف نسامحنا»، «17 ساعة»، و«بابا».
-أعمال ملحمية: «الزير سالم»، و«الناموس».
نجوم كبار: أحمد الجسمي، وفاطمة سلطان، وسميرة أحمد والمخرج أحمد العامري.
يُعد «المكان» من أهم الثيمات التي يتم توظيفها من قبل الفنانين التشكيليين، لكونه شديد الارتباط بمشاعر الشوق والحنين، وتلك الأيام التي مضت. فالمكان هو مستودع الذكريات، والبقعة الحافلة بالصور والأحداث والمشهديات، وكل ما يفعله الفنانون التشكيليون، سواء في لوحاتهم، أو تكويناتهم، أو أعمالهم المفاهيمية، هو استنطاق المكان ليعود نحو أزمنة مضت يقف هو شاهداً عليها.
تُعتبر الفنانة ميثاء الحمدان من المبدعات الإماراتيات الصاعدات بقوة في مشهد الفنون؛ فهي تتميز بقدرة كبيرة على تحويل المفاهيم العاطفية والتاريخية غير الملموسة إلى تجارب بصرية غامرة. وتعتمد في أسلوبها الفني على استخدام الضوء ليس كأداة للرؤية فقط، وإنما كمادة أساسية للبناء الفني، بخاصة من خلال «الألياف الضوئية» التي تمنح أعمالها طابعاً «أثيرياً»، كأنها قادمة من عالم الأحلام، فتدور معظم أعمالها حول الذاكرة الجمعية والفردية. هي لا تقدم الفن للزينة فحسب، بل تستنطق الأماكن مثل الواحات والبيوت القديمة، لتعيد إحياء القصص التي نسيتها الجدران، أو الأشجار، ما يجعل المشاهد يشعر بحالة من «النوستالجيا»، أو الحنين.
ولعل من أبرز أعمالها التي تتجلى فيها تلك القدرة التصويرية ذاك التجهيز الفني الذي يحمل عنوان «نفس المكان ذاته»، وهو عبارة عن مشهد بصري يمزج بين الواقع والخيال. ففي وسط تلك المشهدية المعبرة تبرز شجرة ضخمة تبدو كأنها «كائن نوراني»، فالضوء لا يسقط عليها من الخارج بقدر ما ينبعث من داخلها، إذ تلتف خيوط الضوء حول الجذع بكثافة صاعدة نحو الأغصان لتشكل ما يشبه الجهاز العصبي، أو العروق المتوهجة التي تضخ الحياة في الشجرة، بينما تتدلى مئات الألياف الضوئية من الأغصان العالية، وتنتشر على الأرض في مسارات عشوائية ومنحنية، تشبه خيوط العنكبوت المضيئة أو مسارات الطاقة. هذه الخيوط تعطي إحساساً بالسيولة والحركة، كأنها ذكريات سائلة تنسكب من الشجرة نحو الأرض فتغمر المكان
يقع العمل في بيئة ليلية هادئة وبديعة «واحة الجيمي في مدينة العين»، إذ توفر الجدران الطينية القديمة والظلال الداكنة، خلفية تبرز التناقض بين العتمة والضوء، ما يجعل الشجرة الرئيسية المضيئة تبدو كأنها منارة، أو «بوابة زمنية» وسط السكون. ويتحقق حضور الإنسان من خلال وجود طفل صغير بجانب الشجرة بصورة تمنح المشهد بعداً درامياً، تبرز ضخامة العمل الفني، وتؤكد فكرة الدهشة والتواصل بين الأجيال وهذه «الذاكرة المضيئة».
يحتشد التجهيز بالجماليات التي تضيف إليه بعداً ساحراً وحالماً، فالأضواء تنعكس بشكل خافت على الأحجار المرصوفة تحت الشجرة، ما يوسع نطاق العمل الفني ليشمل المكان المحيط بالكامل، ويجعل الزائر يشعر بأنه يسير «داخل» العمل وليس مجرد مراقب له. إذ إن هذا المشهد المتوهج، الذي يكاد ينطق بأسراره، يجمع بين رهبة الماضي والذكريات المتمثلة في الواحة والشجرة، وشاعرية الحاضر المتحققة في الضوء، ليخلق تجربة بصرية هي أقرب إلى «حلم يقظة».
تميل الفنانة ميثاء إلى دمج التكنولوجيا المعاصرة بالعناصر الطبيعية، في عملها هذا، إذ تكمن البراعة في توظيف الضوء بحيث لا يبدو غريباً على الشجرة، ما يعكس فلسفة الفنانة في أن الماضي لا يموت بل يتجدد. ويلاحظ المشاهد تلك البساطة في التجهيز التي لا تخلو من العمق والحاجة إلى التأويل، فقد تجنبت ميثاء ازدحام التفاصيل، وعملت على ترك مساحة واسعة للصمت والتأمل، ما يسمح للزوار بالتفاعل عاطفياً مع العمل بعيداً عن التعقيد البصري. وفي هذا التجهيز الشاعري، استطاعت الفنانة خلق توازن بين «الظلام» و«الضوء»، وبين «الثبات» المتمثل في الشجرة أو الجدران، و«الحركة» المتحققة في انسياب الأضواء، ما يولد إحساساً بالسكينة والرهبة، في آنٍ واحد.
العمل حافل بالمعاني العميقة؛ فهو يرمز بشكل أساسي إلى «مرور الزمن»، وتشير الأضواء الانسيابية إلى الروابط الروحية التي تشد المرء نحو جذوره كأنها نداء قادم من الماضي البعيد. والعمل في مجمله يعيد استكشاف علاقتنا بالتكنولوجيا بوصفها أداة لتعميق صلتنا بالأرض وليست وسيلة انفصال، فالجدران الطينية الساكنة في الخلفية تجعل الشجرة كأنها انفجار للذاكرة وسط سكون التاريخ، كما أن تلك الخيوط الكثيفة الممتدة على الأرض ليست مجرد زينة، بقدر ما هي تعبير بصري يؤكد أنه مهما ابتعدنا نظل مرتبطين بالجذور.
«نفس المكان ذاته»، عمل يستنطق صمت الجدران الطينية، وأشجار الواحات، ويعيد صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر. المكان هنا ليس ساكناً، بل هو كيان يتنفس عبر «الألياف الضوئية» التي ترمز لسيولة الذكريات واستمراريتها في دفق لا يتوقف، كأنها نهر جارف لا تعيد تشكيل الأمكنة فقط، بل وذواتنا كذلك.
انطلق «فن البوب» في منتصف خمسينات القرن الماضي في بريطانيا قبل أن ينتقل إلى أمريكا، وكان بمثابة احتجاج مبكر على ثقافة الاستهلاك والموضة، إضافة إلى اقترابه من الطبقات الاجتماعية الفقيرة بوصفه فناً وإبداعاً شعبياً؛ بالتالي مثّل نوعاً من إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية، وظل هذا النمط الإبداعي يتناول كل ما هو غير تقليدي من حيث استخدام الألوان والمعايير؛ فقد كان صرخة في وجه التقاليد الفنية النخبوية.
تتجمع تحت مظلة «البوب» العديد من المجالات الإبداعية؛ مثل: الرسم، والفنون التشكيلية، والموسيقى، والسينما، والأزياء، والكولاج، والطباعة، والقصص المصورة، والنحت، والتصميم الداخلي، وترسخ هذا الفن كشكل متمرد على السائد في أمريكا، خاصة مع انتشار الموضة والإعلانات؛ فقد أراد فنانو هذا التيار فصل الفن عن التبعية للمنتجات التجارية الذكية والمصممة بشكل محكم، بحيث لا يتورط الإبداع في الترويج لثقافة الاستهلاك والسوق، واتجهت هذه الحركة الفنية اتجاهاً نقدياً ساخراً، خاصة عندما استخدم الفنانون أيقونات الاستهلاك، مثل علب الحساء والإعلانات، لتسليط الضوء على سطحية ثقافة العصر.
يكتسب هذا التيار الفني أهمية كبيرة في عالم اليوم، إذ بدأ بالتوسع بشكل كبير لدى التشكيليين والمسرحيين الذين صاروا ينتجون أعمالاً تتمثل هذه القيم النقدية. ولطالما اعتبر الكثيرون أن «فن البوب» هو من أوائل المظاهر الفنية لـ«ما بعد الحداثة»؛ لكونه نادى بكسر الحدود بين الفنين «الرفيع» و«الشعبي»، في حالة تشبه الاستجابة لشعارات وأفكار العدالة والمساواة من دون حمولة سياسية واضحة، أي بأدوات الفنون نفسها.
وتتعزز الحاجة إلى هذا الإبداع اليوم مع انتشار قيم الحفاظ على البيئة والاستدامة، خاصة في مجال إعادة تدوير النفايات التي كان من أبرز روادها الفنان أندي وارهول، الذي اشتهر كأحد أعمدة فن البوب؛ فقد كان يعمل على تحويل المهملات إلى أعمال فنية، إذ كان يجمع القمامة والمخلفات التي يتخلص منها الآخرون، حتى عُرف بين العامة بأنه «منافس الجرذان» في الوصول إلى القمامة، مع قدرة فائقة على ابتكار سلسلة من أشهر الملصقات والصور المستوحاة من الثقافة الشعبية الأمريكية.
ولعل أكثر ما يميز حركة «فن البوب» واقعيتها والتصاقها بالناس، والمقدرة على التعبير عن همومهم وقضاياهم؛ فقد كانت ردة فعل قوية ضد ما كان يُطلق عليه «التعبيرية التجريدية» التي سيطرت على الساحة الفنية وحوّلت الإبداع إلى عالم من الغموض، وبدلاً من ذلك، فإن «البوب» بمثابة مقترح قائم على العودة إلى الصور الواضحة والمباشرة والمستمدة من صلب الحياة اليومية، بدلاً من ذلك التهويم الذي يريد أن يصنع من الفن إبداعاً لا تفهمه غير النخبة وصفوة المجتمع.
[email protected]
عبر الرسم، يعمل الفنان على علاج ذاته ومواجهة تحدياته الشخصية أو تحسين حالته المزاجية؛ فهو في كثير من الأحوال يرسم لنفسه قبل الناس، ويدسّ في ثنايا اللوحة فكرته والرسالة التي يحملها، والتي تتكشف للمشاهد بفعل القراءة الذكية للعمل.
تُعدّ الفنانة التشكيلية سارة بن هندي من المبدعات اللواتي لفتن الأنظار إليهن؛ وذلك لاعتمادها أسلوباً فنياً في الرسم قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، فهي تمزج بين الفن التجريدي وأنماط فنية أخرى. وقد تأثرت ببعض المبدعين العالميين، وعلى رأسهم الأمريكيان: أندي وارهول الذي اشتهر بفن «البوب آرت»، وجاكسون بولوك أحد روّاد الحركة التعبيرية التجريدية، والذي كان يعتمد تقنية صبّ الألوان بدلاً من استخدام الفرشاة بالطريقة التقليدية.
لعل السرد أعلاه بمثابة مدخل جيد للحديث عن إحدى لوحات سارة التي تتجلى فيها أسلوبيتها الخاصة في توظيف الألوان وضربات الفرشاة؛ وهي تلك اللوحة التي تحمل في مشهديتها حشداً من الزهور بتركيبة تبدو معقدة من الألوان المختلفة، فالأزهار تدخل كعنصر أساسي في أعمال الفنانة التي تعتبر أن الورود رمزٌ مثالي للعواطف، لذلك نجد أن أشكالاً مختلفة من الأزهار هي البطل المطلق في فضاء اللوحة.
من خلال هذه اللوحة، تعمل الفنانة على إظهار كيفية تأثير الألوان على العقل والروح، وتحفيز خيال المشاهد لخلق قصصه الخاصة عند تأملها، كما تُبرز كيف أن كل مجموعة لونية وكل لمسة فرشاة يمكنها جذب انتباه المشاهد وجعله يشعر بالألوان بدلاً من مجرد رؤيتها؛ فاللوحة تُقدّم عملاً فنياً تعبيرياً ينبض بالحيوية، يصور ما يشبه حديقة خيالية بأسلوب تجريدي، وتبرز في وسط اللوحة زهرتان كبيرتان؛ واحدة باللون الأحمر الداكن والأخرى باللون الأخضر، ولكل منهما مركز أصفر دائري محاط بإطار أسود عريض، مما يمنحهما مظهراً يشبه «العيون» أو شموساً صغيرة داخل الزهور التي تمتد منها أشكالٌ ملتوية تشبه السيقان أو الكائنات البحرية، مرسومة بتدرجات الأزرق والبنفسجي، مما يضفي لمسة من الغموض والسريالية على المشهد.
وتهيمن على مشهد اللوحة الألوان الدافئة، كالبرتقالي والأصفر في الخلفية، مع وجود ضربات فرشاة بيضاء سريعة توحي بالحركة والضوء، كما تنتشر دوائر صفراء وزهور أصغر حجماً في أرجاء اللوحة؛ مما يخلق توازناً بصرياً مبهجاً يكشف عن أسلوب فني يعتمد على استخدام ضربات وألوان صريحة، وهو أسلوب يركز على إيصال المشاعر والطاقة الحركية للفنانة أكثر من التركيز على التفاصيل الواقعية الدقيقة؛ فاللوحة تعكس حالةً من البهجة والانطلاق والحيوية.
تتميز اللوحة باستخدام جريء للألوان التي تحمل دلالات نفسية وعاطفية قوية، ويمكن قراءة رمزيتها من خلال التباينات والعلاقات الموجودة؛ فوضع الزهرة الحمراء بجانب الخضراء في المركز يخلق تبايناً بصرياً صارخاً، فالأحمر يرمز للطاقة، والشغف، والقوة، بينما الأخضر يمثل النمو، والحياة، والهدوء. واجتماعهما معاً يوحي بحيوية الطبيعة المتجددة، في حين أن سيطرة اللونيْن «البرتقالي والأصفر» كألوان دافئة على الخلفية وداخل الزهور تعزز شعور السعادة والإشراق؛ فالأصفر في مراكز الزهور يعمل كبؤرة ضوء تشبه الشمس، مما يعطي انطباعاً بالأمل والبهجة.
ينما يرمز كلٌّ من «الأزرق والبنفسجي» للعمق والغموض؛ إذ تظهر هذه الألوان الباردة في السيقان والأشكال الملتوية، مما يكسر حدة الألوان الدافئة ويضيف لمسة من الخيال والهدوء النفسي. فالأزرق هنا يمثل الجانب الروحاني أو الحلم في هذه الحديقة التجريدية، فيما لم يكن استخدام الأسود حول مراكز الزهور عشوائياً؛ فهو يعمل على إبراز الألوان الأخرى وجعلها تبدو أكثر سطوعاً، كما يعطي للزهور حضوراً قوياً وكأنها «تراقب» المشاهد.
تتحول الطبيعة في اللوحة إلى ما يشبه الانفجار اللوني الذي يعبر عن تجربة عاطفية شخصية للفنانة؛ ولعل تلك التجربة الروحية الخاصة هي التي دفعت الفنانة إلى الإشارة إلى أن الألوان الفرِحة التي تميز أعمالها نابعةٌ في أحيان كثيرة من لحظات حزينة وتجارب غير إيجابية، مُعلنةً أنها تعتبر نفسها وسطيّةً بين طرفي التفاؤل والتشاؤم، وقد اعتادت أن تترجم حبها للألوان في لوحاتها بهدف تحويل الكآبة التي إلى فرح يطول قلب المشاهد.
ألا يبدو غريباً وغامضاً ذلك التوجه المسرحي الكبير في عصرنا الراهن نحو العروض التراجيدية؟ ألم تتوارَ شمس هذه «التراجيديا»، كما أعلن من قبل فلاسفة ونقاد على رأسهم جورج شتاينر في مؤلفه الشهير «موت التراجيديا»؟ الذي يرى فيه أن هذا الشكل الفني والأدبي قد انتهى في العصر الحديث، فالتراجيديا الحقيقية تقوم على فكرة المعاناة الإنسانية غير القابلة للإصلاح أو التغيير، وهو ما لم يعد يتماشى مع الروح المعاصرة، خاصة مع صعود الفلسفات التفاؤلية والعقلانية التي تؤمن بإمكانية تحقيق العدالة أو الخلاص في النهاية.
إذاً، ما أشكال وأنواع العروض والأعمال المسرحية التي تُقدَّم على أنها تراجيديا؟ وكيف عاد ذلك اللون الغارق في البؤس إلى واجهة العصر؟ لعل الإجابة عن هذا السؤال تمنحنا فكرة حول كيفية تمثّل المسرح والسينما وغيرهما من الفنون لموضوع التراجيديا، والتعبير عنه بشكل خلاق ومبتكر للتصدي لقضايا الواقع المادي المعاصر.
قديماً كان البطل التراجيدي ملكاً أو شخصية أسطورية يمثل سقوطها انهياراً لعالم كامل. أما في العروض الحديثة، فالبطل هو «الإنسان العادي»، ومع أن معاناته مؤثرة، إلا أنها لا تملك تلك الرهبة التي تمثلها التراجيديا القديمة الأصيلة. بالتالي، نحن أمام شكل ونوع تراجيدي جديد هو «مأساة قابلة للحل»، ففي المسرح القديم كان العمى أو الموت هو ذلك القدر الذي يتربص بالبطل، أما اليوم فقد صار بالإمكان إيجاد حلول نابعة من العلوم والفلسفات المتفائلة الجديدة. وبناءً عليه، فإن هذا التوجه «الإصلاحي» قد قتل جوهر التراجيديا القديمة التي تقوم على العذاب الإنساني بلا مخرج أو أفق، فالعصر الحديث، رغم مشاكله الكبيرة، لا يزال يؤمن بالحلول.
ولعل شتاينر نفسه يرى أن التراجيديا الكلاسيكية كانت تتطلب وجود «أساطير» يصطدم بها «البطل النبيل»، إذ كان يُشترط في البطل التراجيدي أن يكون ذا مقام رفيع ليُظهر نبل أصله، ما يجعل سقوطه المأساوي أكثر تأثيراً وقسوة على الجمهور. ومع سيادة العقلانية والعلم، فقدت المعاناة ذلك البعد وأصبحت مجرد ظواهر عادية، وهذا ما عبرت عنه هذه التراجيديا الجديدة «تراجيديا التفاصيل اليومية» في دراما وسينما الواقع، وبشكل أساسي في المسرح الحديث.
في التراجيديا المعاصرة لم يعد «النبل» حكراً على العظماء (مثل أوديب أو هاملت)، فالسينما والمسرح الحديث يقولان إن معاناة عامل بسيط أو لاجئ هي مأساة مكتملة الأركان. كما أن مسرحياً مثل صمويل بيكيت «رائد العبث»، أبدع تراجيديا من «الفراغ» و«الانتظار».