رؤية فلسفية جديدة

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

د. باسمة يونس

مع اتساع آفاق العمل والتعليم عن بعد، لم يعد هذا التحول مجرد خيار تقني عابر، بل غدا رؤية فلسفية جديدة تعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته ووقته وبالمعرفة وسبل تحصيلها. إنه انتقال هادئ من حضور الجسد إلى يقظة الذهن، ومن التشتت في صخب الخارج إلى غوص عميق في عوالم الداخل؛ حيث تتاح للإنسان فرصة نادرة ليعيد تشكيل صلته بالمعرفة، ويصالح ذاته، ويعيد اكتشاف العالم من حوله بعين أكثر وعياً واتساعاً.
ومع انغماسه في فضائه الخاص، بعيداً عن صخب الأماكن التقليدية، تنشأ حالة من الصفاء الذهني تشبه إلى حد كبير لحظات التأمل، فالهدوء ليس فراغاً، بل امتلاء من نوع آخر وتركيز مكثف تتجه فيه الطاقة الذهنية إلى جوهر المهمة بدل أن تتشتت بين المثيرات المحيطة وهو ما يمنح الإنسان فرصة إعادة اكتشاف قدرته على الغوص في الفكرة، لا مجرد المرور السريع عليها.
ولم يعد التركيز في بيئة العمل أو الدراسة عن بعد مجرد مهارة، بل نتيجة طبيعية لامتلاك زمام الوقت والتحكم فيه، فالمرونة التي يوفرها هذا النمط تتيح للفرد العمل في أوقات ذروة نشاطه الذهني؛ حيث تكون قدرته على التحليل والاستيعاب في أعلى مستوياتها.
كما يسهم في تنمية مهارة «القراءة مع الاستماع»، وهي مهارة مركبة تجمع بين استقبال المعلومات بصرياً وسمعياً في آن واحد والقدرة على الاستفادة منهما معاً. فعندما يتابع الطالب محاضرة مسجلة، أو يقرأ مادة علمية مصحوبة بشرح صوتي، تنشط لديه مسارات معرفية متعددة، تعزز الفهم وتثبت المعلومة في ذاكرته.
ويفرض هذا النمط على الفرد تطوير مجموعة من المهارات الذاتية، مثل إدارة الوقت، والانضباط الذاتي، والقدرة على التعلم المستقل والشعور بالحرية والقدرة على الاختيار، فغياب الرقابة المباشرة لا يعني الفوضى، بل يستدعي وعياً أعلى بالمسؤولية، ليتحول الفرد من متلقٍّ سلبي إلى فاعل نشط، يصنع مساره المعرفي بيده، ويمضي على مسار التعليم المستمر.
ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن القول إن العمل والدراسة عن بعد يعيدان تعريف مفهوم «المكان» الذي لم يعد شرطاً للإنتاج، بل أصبح مجرد إطار يمكن تجاوزه. وهذا التحرر يمنح الإنسان شعوراً بالاستقلال ويعيد ترتيب أولوياته.
ولا يمكن إغفال البعد الإبداعي في هذه التجربة؛ إذ إن العزلة النسبية التي يوفرها البعد تفتح المجال أمام التفكير الحر، بعيداً عن القيود الاجتماعية المباشرة؛ فتنمو الأفكار وتتبلور الرؤى ويجد الفرد صوته الخاص في الدراسة والعمل عن بُعد اللذين لم يعودا مجرد بديل مؤقت، بل انتقال من الكم إلى الكيف.

[email protected]

عن الكاتب

​كاتبة ومستشارة في تنمية المعرفة. حاصلة على الدكتوراه في القيادة في مجال إدارة وتنمية المواهب وعضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ورابطة أديبات الإمارات. أصدرت عدة مجموعات في مجالات القصة القصيرة والرواية والمسرح والبرامج الثقافية والأفلام القصيرة وحصلت على عدة جوائز ثقافية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"