الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الاستقلالية الاستراتيحية الأوروبية بين الوهم والحقيقة

24 أبريل 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 24 أبريل 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الفرنسي، إيمانويل، ماكرون في ميناء جدانسك البولندي، بمشاركة رئيس الوزراء دونالد توسك، الاثنين الفائت، حرص على أن يقدم «إجابات متفائلة» لما يثار الآن من تساؤلات صعبة تخص علاقة الاتحاد الأوروبي بالولايات المتحدة في ضوء سياسة «الازدراء» التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتهديده بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو). وبالذات سؤال: هل تستطيع أوروبا أن تتمرّد على الولايات المتحدة؟ وهل تستطيع اتخاذ «قرار استراتيجي» بفك الارتباط مع واشنطن؟ أم أنها أعجز من أن تتخذ مثل هذا القرار؟
ماكرون الذي يقود «تيار التمرّد» الأوروبي على الزعامة الأمريكية، ويدعو لبناء «القوة الاستراتيجية الأوروبية المستقلة»، كان شديد التفاؤل بالنتائج التي توصل إليها مع شريكة دونالد توسك، رئيس الوزراءالبولندي، وكان أيضاً أكثر تفاؤلاً بالنتائج التي جرت في جمهورية المجر المجاورة لبولندا، والتي أُجريت قبيل أيام قليلة من وصوله إلى بولندا، حيث أدت الانتخابات التشريعية التي شهدتها المجر إلى سقوط فيكتور أوربان، أهم حليف للرئيس الأمريكي، وكان يعتبر أهم داعم للحركة الشعبوية اليمينية القومية في أوروبا والولايات المتحدة.
وفي المؤتمر الصحفي للرئيس إيمانويل ماكرون مع رئيس وزراء بولندا دونالد توسك، أعطى الرئيس الفرنسي «زخماً جديداً» لتعاون فرنسا وبولندا في مجالات: الردع النووي، والأقمار الاصطناعية العسكرية، والصناعات الدفاعية. وقال ماكرون «سيكون هناك عمل من الآن، حتى الصيف، سيمكننا من تحقيق تقدم ملموس في مجال الردع النووي». وتحدث ماكرون عن إمكانية نشر «طائرات فرنسية مسلحة نووياً» في بولندا.
عندما يتحدث ماكرون عن «نشر طائرات فرنسية مسلحة نووياً» في بولندا، فإنه يعني شيئاً محدداً، وهو أن «البديل النووي الفرنسي» للمظلة النووية الأمريكية في أوروبا أضحى جاهزاً للنشر خارح فرنسا، في إشارة مهمة تقول إن «فرنسا قادرة على قيادة أوروبا» كقوة نووية مستقلة عن الولايات المتحدة، وأن «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» عن الولايات المتحدة يمكن أن تتحول من حلم إلى حقيقة.
السؤال المهم بهذا الخصوص هو: هل أوروبا أضحت متفقة على هذا الخيار الاستراتيجي؟ وهل هناك قناعة أوروبية بالطرح الفرنسي، أم أن المزاج الأكثر شيوعاً في أوروبا، وبالتحديد في الاتحاد الأوروبي، مازال أمريكياً؟
أجواء «مؤتمر ميونيخ للأمن» الأخيرة في شهر فبراير/ شباط الماضي، كشفت عن حقيقة مفادها أن «أوروبا مازالت منقسمة حول خيارها الاستراتيجي» هل هو: استقلالية استراتيجية أوروبية أم تبعية استراتيجية للولايات المتحدة، على الرغم من كل الازدراء الذي يتعامل به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع «حلف شمال الأطلسي» وتهديده بالانسحاب من هذا الحلف، ومعاقبة الدول الأوروبية لرفضها الانضمام إلى الولايات المتحدة في حربها على إيران، وبالتحديد رفضها المشاركة عسكرياً في جهود فرض المرور الحر في مضيق هرمز والتصدي لإيران.
في خطابه الافتتاحي لمؤتمر ميونيخ للأمن المشار إليه، تحدث المستشار الألماني فريدرش ميرتس بـ«نبرة تصالحية» عن الولايات المتحدة، على الرغم من اعترافه بوجود خلافات بين الطرفين، ودعا إلى «شراكة جديدة» بين الولايات المتحدة وأوروبا، وإلى ترميم الثقة بين الطرفين. ميرتس لم يكتف بذلك، لكنه كان مهتماً بتوجيه انتقادات إلى «النهج الفرنسي والسياسة الفرنسية» تجاه الولايات المتحدة.
ففي حديثه عن «ضرورة الحفاظ، أو إنقاذ العلاقات مع الولايات المتحدة» قال ميرتس إنه «يتفهم لماذا قد يشعر البعض بعدم الراحة من حال العلاقات حالياً مع الولايات المتحدة»، وإنه «يتشارك معهم هذا الشعور، وبعض مخاوفهم» (يقصد بالطبع فرنسا)، لكنه أضاف أن الدعوات لتخطي العلاقة مع الولايات المتحدة «غير واقعية»، وأن من يدعو لذلك «يتجاهل الحقائق الجيوسياسية الصعبة في أوروبا، ويقلل من شأن الإمكانات في مستقبل علاقتنا مع الولايات المتحدة، على الرغم من كل الصعوبات الموجودة».
تحفظات المستشار الألماني فريدريش ميرتس على دعوة «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» التي تقودها فرنسا مؤيدة من بعض الدول والتيارات السياسية الأوروبية، لم تأت من فراغ، ولكن الواقع الاستراتيجي الأوروبي يؤكد ذلك، على النحو الذي ذكرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية في إحدى دراساتها المهمة تحت عنوان «كيف خسرت أوروبا»، وبالتحديد في مجال العجز الدفاعي. فقد نقلت الدراسة عن «تحليل صارم» نشره «ناشيونال انترست» في مارس/ آذار 2025 أكد الخبراء فيه أن «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية وهم». ووفقاً لذلك التحليل، فإن من بين 27 دولة في الاتحاد الأوروبي لا تملك 12 دولة أيّ دبابات قتالية رئيسية، و14 دولة لا تُشغِّل أي طائرات مقاتلة، وأن إنتاج أوروبا من قذائف المدفعية متأخرة جداً، وأن أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في معظم أنظمة أسلحتها الدفاعية الاستراتيجية بسبب اختناقات القدرة الإنتاجية.
نتائج صادمة، لكن أخطرها ما يتعلق بـ«غياب الإرادة الاستراتيجية» الأوروبية، وهذا هو جوهر الأزمة الأوروبية.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه