اللغة ليست مجرد كلمات نتعلمها في الطفولة ونتحدث بها طوال حياتنا، وهي أيضاً ليست مجموعة قواعد وجماليات واستعارات ومجازات يوظفها هذا الكاتب أو ذاك الشاعر، ولا تقتصر أهميتها على مفردة هنا أو هناك تجتمع لها المجامع اللغوية لتجيزها داخل قاموسنا اللغوي.
اللغة موضوع معقد ومتشابك ومتداخل، هي سلطة وهيمنة وأداة توجيه، ولا يمكن التفكير إلا من خلالها، ونظراً لأهميتها شغلت حيزاً واسعاً من التنظير في مختلف ثقافات العالم، وهو تنظير ممتد جغرافياً وزمنياً، والبدايات متعددة، ولكننا هنا يمكن أن نلمح في تراثنا ذلك الجدل الذي امتد لعقود حول: هل اللغة إلهام أو اصطلاح؟ هل هي سماوية أم نتاج مجهود بشري؟ كان لكل فريق حججه وبراهينه وأتباعه، وانعكس هذا الجدل داخل كل التيارات الفكرية القديمة، وجاء آخرون ليؤسسوا لفقه اللغة، وذهب فريق آخر ليربطها بالعقل، وأكد المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في مشروعه «نقد العقل العربي» إلى أن العربي القديم لم ينتج مفردات لغوية وحسب، ولكنه صنع رؤيتنا للعالم وحدد طرائق سلوكنا فيه وتعاطينا معه.
في داخل هذه المنظومة سنعثر على من أسس مذاهب فلسفية كاملة قائمة على اللغة، ومن قسّمها إلى قسمين: إنشاء وإخبار، ورأي في القسم الأول مشاعر ووجدان لا محل له من الإعراب وطالب بشطبه من اللغة، ورأي في القسم الثاني لغة تمسك بالواقع هي تلك المطلوبة في الحياة المعاصرة، وهناك من درس اللغة اجتماعياً وربطها بالبيئة، فمثلاً نلاحظ تضخم مدونة الأبل في القاموس العربي مقابل فقر واضح جداً في مرادفات كلمة «ثلج»، وهناك من سأل هل نفكر أولاً أم نتكلم؟، ووسط كل هذا الزخم كان هناك سؤال مخفي: مَن المنوط به إنتاج المصطلحات والمفاهيم والكلمات الجديدة؟ ومن يملك القدرة على ترويجها ونشرها؟.
عبر اللغة بإمكاننا أن ننقل الحقيقة، وأن نمارس التزييف والتضليل، وأن ننشر الكذب مغلفاً بكلمات تبدو للوهلة الأولى صادقة، عبر اللغة بإمكاننا أن نختزل فكرة ونوجه ونؤطر إنساناً ونعبّر عن موقف، نصف هذا باليميني وذاك باليساري، ونميز بين متقدم ومتأخر، وتنويري ومتطرف، عبر اللغة بإمكاننا أن ننشر السلام ونرسخه، وأن نروج للعنف، وذلك عندما تكون لغتنا إقصائية غير متسامحة تتميز بالخشونة والجلافة، عبر اللغة نستطيع أن نشيد عوالم مترعة بالحلم والخيال والتحليق في فضاءات لا حدود لها، ونستطيع أن نقتل الأمل بقسوة وجلافة وخشونة لا نظير لها.
في الحياة اليومية بإمكان اللغة أن ترسخ المحبة بين الناس، وربما تستفزك وتدفعك للغضب، تمنحك الطمأنينة، أو تضعك في معترك القلق، تهبك الراحة أو التوتر، تفتح أمامك نافذة على الغد أو تغرقك في ماض لا يمكنك الفكاك منه.
إن درس اللغة واضح جداً، فمن يملك تسمية الأشياء وتعريفها يملك توجيه العالم، ومن خلال اللغة نستطيع أن نقنع البشر بأعقد القضايا، وننشئ علاقات اجتماعية، وندفع بأنفسنا إلى الأمام، اللغة ببساطة قادرة على صنع الحياة أو هي الحياة نفسها.
