في دورة انعقاد الجمعية العمومية لشركة «بيركشاير هاثاوي» في الثاني من مايو/ أيار المقبل، سوف يتولى الرئيس التنفيذي الجديد كريغ أبيل إدارة جلسات الأسئلة، بينما سيحضر وارين بافيت بصفته رئيساً لمجلس الإدارة دون المشاركة التقليدية في المنصة، في إطار انتقال القيادة الفعلية داخل الشركة.
ومن غير المتوقع أن يمثل الاجتماع السنوي الأول للشركة دون قيادة وارين بافيت مجرد انتقال إداري عادي، بل هو تحول هيكلي من رأسمالية المؤسس إلى رأسمالية المؤسسة.
فالأسواق لا تسأل اليوم ما إذا كانت الشركة ستبقى، بل تسأل هل تستطيع الحفاظ على هويتها الفريدة بعد غياب مهندسها؟
الفلسفة التأسيسية
السؤال الحقيقي الذي يواجه بيركشاير ليس مسألة الخلافة بحد ذاتها، بل متانة المؤسسة، أي قدرة شركة بُنيت حول عبقرية استثنائية في تخصيص رأس المال، على التحول إلى نظام قادر على إعادة إنتاج تلك الانضباطية في غياب صاحبها.
من الشخصية إلى المنهج
انتقال القيادة من بافيت إلى كريغ آبيل لا يتعلق بالكفاءة بقدر ما يتعلق بالشرعية والثقة. قد لا تكون الاستمرارية ضماناً للنجاح ولا بد من إعادة الابتكار حيث يرث آبيل ثقافة إدارية قائمة على اللامركزية والثقة. وليس مكمن الخطر في التغيير المفاجئ، بل في التحول التدريجي نحو السقوط في أحابيل البيروقراطية.
كان بافيت يقود بالسمعة والتاريخ الشخصي أما آبيل، فعليه أن يقود بالحوكمة والقوانين ويضمن النتائج. هنا تعتبر الحوكمة كميزة تنافسية جديدة حيث يعتمد مستقبل «بركشاير» على انضباط العمليات، لا على حكم فردي استثنائي، هذه حالة كلاسيكية للانتقال من سلطة المؤسس إلى سلطة الإدارة المؤسسية.
جبل السيولة
من الواضح أن السيولة الضخمة لدى «بركشاير» تمثل في الوقت نفسه درع وقاية وقيداً. تمتلك الشركة احتياطيات نقدية قياسية، أي واحداً من أكبر احتياطيات النقد في تاريخ الشركات، أما حجمها الكبير فيحد من مرونة الاستثمار.
وفي عالم الاستثمار المعاصر أصبحت الفرص الاستثمارية القادرة على تحريك شركة بهذا الحجم نادرة، كما أن المنافسة على الاستحواذات الكبرى ازدادت حدة.
والاختبار الذي تواجهه الشركة يتمحور حول مصداقية تخصيص رأس المال، فسمعة بركشاير بُنيت على حسن اختيار الاستثمارات.لكن التردد أو الانتظار الطويل قد يُفسَّر كحذر أو كجمود. من هنا فإن فائض رأس المال قد يؤدي إلى شلل استراتيجي في الشركات الناضجة.
وفي عالم الاستثمار المعاصر أصبحت الفرص الاستثمارية القادرة على تحريك شركة بهذا الحجم نادرة، كما أن المنافسة على الاستحواذات الكبرى ازدادت حدة.
والاختبار الذي تواجهه الشركة يتمحور حول مصداقية تخصيص رأس المال، فسمعة بركشاير بُنيت على حسن اختيار الاستثمارات.لكن التردد أو الانتظار الطويل قد يُفسَّر كحذر أو كجمود. من هنا فإن فائض رأس المال قد يؤدي إلى شلل استراتيجي في الشركات الناضجة.
الثقافة المؤسسية
معلوم أن الثقافة المؤسسية، وليس رأس المال، هي الأصل الأكثر قيمة لدى الشركة. فقد تميزت إمبراطورية وورين بافيت بلامركزية شديدة، أي أن الشركات التابعة تعمل باستقلالية كبيرة، كما أن دور المقر الرئيسي صغير نسبياً مقارنة بحجم المجموعة.
وعلى صعيد التشغيل تلعب الثقة دورا محوريا حيث يتم اختيار المديرين على أساس النزاهة والاستقلالية، كما أن الحوافز مرتبطة بالأداء طويل الأجل.
من هنا فإن الثقافة المؤسسية هي أصعب ما يمكن الحفاظ عليه أثناء انتقال القيادة فهي تمثل شكلاً من رأس المال غير المادي.
من هنا فإن الثقافة المؤسسية هي أصعب ما يمكن الحفاظ عليه أثناء انتقال القيادة فهي تمثل شكلاً من رأس المال غير المادي.
البيئة الاقتصادية
سوف يختبر العقد القادم بركشاير في ظروف لم تواجهها بنفس الحدة في الماضي. أما القوى الرئيسية الفاعلة على هذا الصعيد فهي أسعار فائدة أعلى ونمو عالمي أبطأ وتصاعد التوترات الجيوسياسية وتسارع التحول التكنولوجي وتقلبات مخاطر التأمين والكوارث.
لقد بات من الواضح أن بيئة الاستثمار أصبحت أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.
لقد بات من الواضح أن بيئة الاستثمار أصبحت أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.
الهوية الاستراتيجية
على بركشاير أن تعيد تعريف هويتها دون أن تتخلى عن فلسفتها. ومن أهم المسارات الاستراتيجية المحتملة الحفاظ على رأس المال والاستقرار، واستخدام السيولة بقوة خلال فترات الأزمات، والتحول إلى منصة رأس مال دائمة، أو العمل كمدير طويل الأجل لمحفظة من الشركات.
ويبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً أن تصبح نموذجاً هجيناً يجمع بين الاستقرار والجرأة الانتقائية.
اختبار ما بعد المؤسس
واجهت شركات كبرى تحولات مشابهة وهو ما حدث في شركة «آبل» عند غياب ستيف جوبز و«جنرال الكتريك» بعد جاك وولش. فالشركات نادراً ما تفشل مباشرة بعد رحيل المؤسس. إنها تفشل ببطء، عبر تآكل الثقافة المؤسسية.
والسؤال الحقيقي هو «المأسسة»، ما يعني أن الاجتماع السنوي الأول بعد عصر بافيت في «بيركشاير» ليس مجرد حدث إداري بل هو اختبار للحَوْكمة و لتخصيص رأس المال، واختبار لصمود الثقافة المؤسسية.
لقد كان عصر بافيت عصر الحكم الاستثنائي أما العصر الذي يليه فسيكون عصر التنظيم الاستثنائي.