أخطر من الحرب، المخلّفات التي تتركها من ألغام وذخائر غير منفجرة، والتي تتسبب في قتل المدنيين أثناء الحرب وبعدها، ولعل هذه الخطورة تأخذ بعداً أكثر خصوصية وأشد تعقيداً في قطاع غزة، ما استدعى تحذيرات متكررة من الأمم المتحدة.
آخر هذه التحذيرات جاء من خلال مسح أجرته دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، والذي يُظهر أن أكثر من ألف شخص، نصفهم من الأطفال، قتلوا جراء الحرب على مدى عامين ونصف. ومع وجود احتمالات شبه مؤكدة بأن الحصيلة الفعلية قد تكون أعلى من ذلك بكثير، لوجود أعداد كبيرة منها تحت أكوام الدمار والأنقاض المنتشرة على مساحة القطاع، فإن الدائرة الأممية بدورها خلصت إلى أنها لم تتمكّن بعد من تقييم حجم المشكلة بالكامل، إلا أن البيانات المتاحة تُظهر «كثافة مرتفعة» من التلوث بالذخائر غير المنفجرة في القطاع.
وكانت المنظمة الأممية نشرت تقريراً نهاية العام الماضي، تحدث عن أن استخدام الأسلحة المتفجرة في القطاع تسبّبت شهرياً في المتوسط بإصابة 475 طفلاً بإعاقات قد ترافقهم مدى الحياة، مشيراً إلى أن غزة تضم اليوم «أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف» في العالم. ولعل أكثر ما يثير الرعب في تقرير الدائرة الأممية أنه بناء على ما تم رصده من ذخائر غير منفجرة، فإن هناك ذخيرة واحدة كل 600 متر تقريباً، يضاف إلى ذلك الكثافة السكانية العالية في قطاع غزة، وهي الأعلى في العالم قبل الحرب بواقع 6 آلاف نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، والتي قد تكون تضاعفت ضمن المساحة التي تبقت بعد الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من نصف القطاع.
ولا يتوقف الأمر عند هذا؛ إذ إن الأمر ينعكس على القوافل الإنسانية التي قد تتسبب في انفجارها، وعلى إعادة الإعمار في حال انطلاقها؛ إذ لا يمكن البدء بهذه العملية قبل تطهير كل أرجاء القطاع من الألغام والذخائر غير المنفجرة، وهي مسألة ليست سهلة إذا أخذنا في الاعتبار أن عشرات الآلاف من القنابل والقذائف الصاروخية والمدفعية، ألقيت على القطاع، وأن هناك نسبة معينة منها لم تنفجر، مستشهداً بحادث جديد عثر فيه على بقايا ذخائر داخل خيمة مأهولة منذ أسابيع. ويقدّر تقرير الدائرة الأممية أن التعامل مع هذه الذخائر قد يتطلب، في أفضل الأحوال، نحو 541 مليون دولار، شريطة الحصول على كل التصاريح اللازمة وتوفير المعدات المطلوبة. وحتى في حال توفير كل الاحتياجات اللازمة، فإن عملية التطهير ستأخذ وقتاً طويلاً، والأسوأ أنه لن يتم التحقق منها أو إنجازها بالكامل؛ إذ يورد التقرير أن هناك، على سبيل المثال، قنابل غير منفجرة من الحرب العالمية الثانية عثر عليها في موقع بناء في بريطانيا، كما عثر على قنابل مشابهة في ألمانيا والعديد من الدول، وهو ما يمكن أن يحدث في قطاع غزة.
