الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التحديات الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي

7 مايو 2026 01:01 صباحًا | آخر تحديث: 7 مايو 01:02 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تُجمع المقاربات المختلفة للذكاء الاصطناعي على أن هذا المجال الذي كان يمثل جزءاً متواضعاً من اختصاص المعلوماتية وعلوم الحاسوب في سياق علمي وأكاديمي صرف، تحوّل بداية من سنة 2019 إلى أكبر ساحة للصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى، لاسيما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين؛ وأضحى يشكل رهاناً أساسياً في معادلة توازن القوى في العالم، وتراجعت بذلك الحسابات المتعلقة بالقوة العسكرية التقليدية لتحل محلها تحديات القوة الرقمية الهادفة إلى إعادة تعريف عناصر السيادة الخاصة بالدول، بناء على صلابة الانتشار الرقمي، وليس على الامتداد الجغرافي، بحيث تحوّل الفضاء الافتراضي إلى سلاح فتاك لحسم الصراعات الجيوسياسية.
وعندما تطورت منتجات الرقمنة وبدأ الإنترنت بالانتشار، ساد اعتقاد وهمي ومضلل بأن البشرية تدخل عهداً جديداً من التحول الحضاري يتجاوز حسابات الجغرافيا السياسية، ويتيح توظيفاً سلمياً وسلساً للتكنولوجيا الرقمية، بشكل يضمن تحقيق عدالة كونية في مجال حصول الإنسان على المعلومة، من دون تحيّز أو تلاعب؛ بيد أن التطورات المتسارعة في المشهد الرقمي أفصحت عن حقائق صادمة، وأكدت أن انتشار الثقافة الشبكية وزيادة مستوى تعقيدها جعلا من الفضاء السيبراني، في اللحظة عينها، مسرحاً وأداة لمختلف الصراعات الجيوسياسية، بل إن هذا الفضاء أضاف بعداً أخطر من كل الأبعاد الأخرى، بخاصة مع التشظي المتواصل للعالم الشبكي، وتزايد مستوى التوظيف غير المحدود للإنترنت بهدف خدمة الأهداف الاستراتيجية للقوى العظمى.
ويرى المتابعون لتطورات الثورة الرقمية أنه، وخلال العقود الثلاثة الأخيرة، تحوّل الذكاء الاصطناعي من السياق الأكاديمي إلى أداة للسيطرة الجيوسياسة، ومن ثم، فإن المعركة الكبرى ليست متعلقة بهوية من يملك النماذج التقنية الفائقة الذكاء، بل تتمثل في تحديد الجهة التي تتحكم في الرقائق، وأشباه الموصلات، والبيانات والمعايير والسرديات التي تصاحب كـــل التحولات، التقنية والجيوسياسية.
وخلال المرحلة الأولى من التحوّل التي بدأت مع منتصف التسعينيات من القرن الماضي، والتي امتدت إلى غاية 2010، استطاعت الولايـــات المتحـــدة أن تبسط هيمنتها بسلاسة، اعتماداً على جامعاتها، ومراكزها البحثيـة، ورقائقها، وفضائها الشبكي العابر للحدود، أما الصين فكانت في هذه المرحلة تستورد أغلب حاجياتها التكنولوجية من أمريكا والغرب، وتتبنّى سياسة تكوينية قائمة على ارسال أعداد كبيرة من الطلاب إلى الجامعات، الأمريكية والأوروبية، ولم يكن الوعي الجيوسياسي برهانات الذكاء الاصطناعي متبلوراً بما يكفي لكي يصبح بؤرة للصراع، وأداة لإظهار وممارسة القوة.
وشهدت المرحلة الثانية التي امتدت إلى غاية سنة 2017 صحوة الصين، ودخولها ميدان المنافسة، ولكن من دون صدام واضح مع العملاق الأمريكي، الذي كان ينظر في هذه المرحلة لبكين كشريك تجاري موثوق، وليس كمنافس في المجال التكنولوجي، بالنظر إلى الفجوة التقنية الهائلة بين الطرفين.
أما المرحلة التي ما زلنا نعايش أطوارها، فيمكن وصفها بمرحلة حرب التكتلات الرقمية، والتي بدأت بقطع الشركة التايوانية المشهورة لإمداداتها من الرقائق للصين، بضغط من واشنطن، وقرّر البيت الأبيض في السياق نفسه استثمار نحو 52 مليار دولار لاعادة توطين صناعة الرقائق محلياً؛ ووجهت واشنطن ضربة أكثر قساوة لصناعات التقنية الصينية عندما منعت سنة 2022 شركة نفيديا من تصدير رقائقها المتطورة للشركات الصينية، الأمر الذي أجبر بكين على دخول ساحة المنافسة في صناعة أشباه الموصلات. ومع حلول سنتي 2024 و2025 دخل العالم، لأول مرة، في تاريخه إلى مرحلة الثنائية القطبية الرقمية، مع استمرار أمريكا في تطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، لاسيما من خلال تطبيق شات «جي بي تي» الواسع الانتشار، وفاجأت الصين العالم بتطوير تطبيق ديبسيك للذكاء الاصطناعي بكلفة مالية جد متدنية مقارنة بالكلفة العالية التي يتحملها مطوّرو التقنية في أمريكا، ما تسبب بتراجع أسهم شركة نفيديا الأمريكية.
من الواضح أن التقدم الهائل في الذكاء الاصطناعي يجعله يتجاوز أسسه التقنية، ويتحوّل لأول مرة في تاريخ الإنسانية إلى صانع ومحدّد للقوة الجيوسياسية بالنسبة إلى العقود المقبلة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه