التجربة الإماراتية في التعلّم عن بُعد أثبتت جدواها، ونحن ما زلنا نعيش أزمة تحولت إلى عالمية تطورت وتفاعلت لتقودنا الإجراءات الوقائية إلى تطبيقها مجدداً، بعد أن سجلت نجاحاً سابقاً خلال أزمة كورونا التي عصفت بالعالم، لكنها كانت حلاً ناجعاً في استمرار العملية التعليمية في المدارس والمعاهد والجامعات.
في هذا السياق لفت نظري تصريح الدكتور منصور العور، رئيس «جامعة حمدان بن محمد الذكية»، الذي أشار فيه إلى أن ما شهده العالم في السنوات الأخيرة، لم يكن مجرد تجربة «تعلم عن بُعد»، بل كان تحولاً عميقاً يمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل التعليم وأن الجامعة لم تتعامل مع التعليم الرقمي، حلاً ظرفياً فرضته الأزمات، بل نموذجاً مستداماً يعيد صياغة العملية التعليمية من الأساس، بما يتجاوز حدود القاعات الدراسية التقليدية إلى فضاءات أكثر مرونة وابتكاراً.
هذه النظرة الشاملة واعتماد أن التعليم عن بُعد ليس مجرد حل مؤقت خلال الأزمات، بل نموذج يمكن تطويره والبناء عليه ليكون صالحاً في جميع الأوقات، نظرة متقدمة يمكن عبرها مواجهة كل السلبيات أو النواقص أو نقاط الضعف التي برزت، وتطوير المتلقي لتحقيق فائدة من هذا النموذج لا تقل عن نموذج الحضور الفعلي المتبع في تلك المؤسسات، خاصة أن الدولة تملك من المقومات والبنى التحتية الكثير مما يمكن استثماره وتوظيفه، بحيث يستفاد منه حتى في الأيام العادية وليس الظروف الاستثنائية.
العور أشار أيضاً إلى أن التحدي لم يكن تقنياً بقدر ما كان فكرياً، يتمثل في كيفية الانتقال من نموذج «نقل المحاضرة» إلى (تصميم تجربة تعلم متكاملة )، وهو بالضبط ما نحتاج إليه وينقصنا حتى تتحقق الفائدة ويؤمن الجميع أنه أمام تجربة متكاملة وليست مجرد حل طارئ، وهو ما يستدعي أيضاً إعادة التفكير في دور المعلم والطالب؛ حيث لم يعد المعلم ناقلاً للمعرفة فقط، بل هو مصمم لتجربة تعليمية، فيما أصبح الطالب محور العملية التعليمية ولهذا ركزت الجامعة – كما يشير - على التعلّم المخصص، والتفاعل الذكي، وتحليل بيانات المتعلمين.
منظومة «التعلّم عن بُعد» في الإمارات تمثل اليوم إحدى الركائز الأساسية، التي تضمن استمرارية العملية التعليمية، ومرونة تنفيذ الخطط الدراسية في الظروف المختلفة وهي قادرة على التكيف السريع مع المتغيرات والطوارئ دون التأثير في جودة التعليم أو انتظام الدراسة، لكن موضوع تطويرها هام جداً ويجب ألا يتوقف في سبيل بناء منظومة تعليم ذكي متطورة، تعد من بين الأكثر تقدماً.
لدينا اليوم من الإمكانات ومن الرؤية الاستشرافية ومقدرات الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية والقيادة التي تتجاوز التحديات ما يمكّننا من إطلاق نموذجنا الخاص الذي سيغير صورة التعليم عن بعد، ويمسح ما يرتبط بها من صورة نمطية لتكون صورة جديدة نستثمر فيها لمستقبل أفضل لا يرتبط بظروف استثنائية بل كعمل مستدام.
