الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

سنابل الشارقة.. فلسفة أمة

31 مايو 2026 01:03 صباحًا | آخر تحديث: 31 مايو 01:04 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
حين يتردد على المسامع وصف «الإمارة المثقفة»، يطير الذهن تلقائياً صوب شارقة الخير. غير أن الثقافة هنا لا تقف عند حدود الكتاب والمسرح والفنون فحسب، بل تمتد لتشمل ثقافة الحياة برمتها، وأسلوب العيش الكريم الذي يترجمه حاكمٌ استثنائي، جعل من أدق تفاصيل يوميات شعبه قضية رأي عام وهدفاً أسمى للتنمية.
لقد تجسدت هذه الرعاية الأبوية مؤخراً في مشروع زراعة القمح، حيث لم يكتفِ صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بالتوجيه، بل وقف بنفسه يتابع غرس البذور وحصاد السنابل، ليضمن لشعبه طعاماً صحياً نقياً، ما يؤكد أننا أمام حالة فريدة من التلاحم، حين تتدخل القيادة لضمان جودة أبسط مقومات الحياة، وتقدمها للمواطن والمقيم على طبق من ذهب.
لم يكن الاهتمام بطحين القمح مجرد مبادرة عابرة، بل خطوة استراتيجية شملت سلة المنتجات الأساسية للمائدة الإماراتية. وفي عصرٍ باتت فيه الأمراض المزمنة تقتحم البيوت نتيجة الوجبات السريعة والمواد المعدلة وراثياً، يأتي التذكير بالحكمة الأزلية «المعدة بيت الداء والدواء». من هنا، جاءت توجيهات سموه بإنشاء مصانع الحبوب وتخصيص مساحات شاسعة للزراعة العضوية، كرسالة حاسمة بضرورة العودة إلى المنتج الوطني النظيف، بعيداً عن كيميائيات التجارة الدولية ومبيداتها الضارة.
وأثبتت الأزمات العالمية أن الأمن الغذائي هو خط الدفاع الأول عن السيادة والصحة؛ لذا تتجه الأسر الواعية اليوم نحو خيرات أرضها التي نبتت تحت رقابة وطنية صارمة. ولن يقف هذا الطموح عند حدود المزارع الحكومية، بل هو دعوة مبطنة لكل أسرة إماراتية للاستثمار في «الزراعة المنزلية» للمحاصيل الموسمية التي لا تستهلك ماءً ولا وقتاً، بل تغرس في نفوس الأبناء قيم الأرض والاستدامة.
إن سنابل القمح التي تتمايل على تربة إمارة الشارقة ليست مجرد غذاء للأجساد، بل غذاء للعقول وغرسٌ للأجيال القادمة. فالتغذية السليمة هي حجر الأساس لبناء عقول غضة قادرة على التفكير والإبداع، لتكبر أحلام أطفالنا بالتوازي مع قوة أجسادهم، في مجتمع يدرك أن حماية المستقبل تبدأ من جودة ما نضعه على مائدتنا.
في المحصلة، يتبدى لنا أن رهان الشارقة على السنبلة لا ينفصل عن رهانها على الكتاب؛ فكلاهما أداتان لبناء الإنسان وصون كرامته. و هذه الرؤية المتكاملة التي يقودها سلطان القلوب، تبرهن على أن حماية الأمن الغذائي، والعودة إلى الأرض، والاهتمام بصحة الأسر، ليست مجرد ترفٍ تنموي، بل هي عقيدة حكم راسخة، تمزج بين رعاية الأب وحكمة القائد. ومن هذه التربة الطيبة التي أثمرت قمحاً وصحةً وفكراً، تنطلق الشارقة نحو المستقبل، معلنةً للعالم أن سيادة الأمم الحقيقية تبدأ من بذور تزرعها بأيديها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة