يجلس الإنسان مع نفسه يومياً، لكنه نادراً ما يواجه نفسه فعلاً. هنالك فرق بين أن يكون الإنسان وحده، وأن يواجه نفسه. الأول له معنى، وهو أنه ليس مع أحد، أما الثاني فيعني أنه في حوار حقيقي مع ما في داخله. كثيرون يقضون حياتهم في الحالة الأولى دون أن يصلوا إلى الثانية، لأن الحوار الحقيقي مع النفس يتطلب الاستعداد لسماع أشياء قد لا تكون مريحة.
هنالك أسئلة يتجنب الإنسان طرحها على نفسه، لأنه يعرف مسبقاً أن الإجابة عنها ستكون صعبة، سواء كانت مراجعة لمواقف حدثت سابقاً، أو أخطاء تم ارتكابها، أو دروساً تجب الاستفادة منها، أو خططاً يتم تسويفها باستمرار، أو أقارب لا تصلهم. ما يجعل تجنب هذه الأسئلة مرهقاً على المدى البعيد هو أنها لا تختفي بمجرد تجاهلها، تبقى في مكان ما في الذهن، تطل بين الحين والآخر، وتظهر في لحظات ضعف لا يستطيع فيها الإنسان أن يصدها. ويلاحظ البعض أن هذه الأسئلة تأتيهم في أوقات السكون، حين يهدأ كل شيء حولهم، فيحاولون فوراً أن يملؤوا هذا السكون بأي شيء حتى لا تطرق الأسئلة بابهم.
ما يقوله الإنسان لنفسه في الظاهر يختلف كثيراً عما يعرفه عنها في العمق، في الظاهر قد يظهر أنه لا يوجد شيء يدور في داخله أو في ذهنه، لكنه يعرف في داخله أن هنالك جوانب لم يواجه نفسه بها. وفي الظاهر قد يقول إنه قوي وقادر، لكنه يعرف في داخله أن هنالك مواقف تخيفه. هذه الفجوة بين الأمور الظاهرة والأمور الباطنة هي مساحة ضائعة، يصرف فيها الإنسان طاقة لا يعرف أنه يهدرها في الحفاظ على صورة لم تعد تطابق الحقيقة.
ما يحتاج إليه الإنسان ليجلس مع نفسه فعلاً هو شجاعة بسيطة، شجاعة الاستماع دون دفاع، أن يطرح السؤال الصعب ويسمح للإجابة بأن تخرج كما هي. هذه الجلسة لا تحتاج إلى وقت طويل، لكنها تحتاج إلى صدق نادر.
ومن يمر بهذه التجربة ولو مرة، يكتشف أن أكثر ما كان يخاف منه ليس ما في داخله، بل لحظة مواجهته. وحين تمر هذه اللحظة، سيجد الشخص بعد ذلك تصالحاً مع الذات وسلاماً، لأنه سيستمر بالتخطيط لحياته بشكل أفضل وأصح.
