يعرف القراء الأعزاء معاني الكذب والوشاية والافتراء، وما التذكير بهذه المعاني الآن إلا من أجل فهم شرّ الكذب، وأثره في القيم الأخلاقية، وعلاقته بالصراعات الراهنة.
فهذه المفاهيم، الدالة على صور من صور الشر، قديمة قدم الجنس البشري. لكنها ترتبط، من حيث قوة حضورها أو ضعفه، ارتباطاً شديداً بحال البنى الاجتماعية والطبقية، فكلما عاشت المجتمعات في شروط الاستقرار والعمل والنشاط والإبداع والحرية قلّ شيوع ظاهرات الكذب والوشاية والافتراء، والعكس صحيح.
ففي حال استمرار الصراعات والتوترات التي تولّدها الدكتاتوريات لفترة طويلة من الزمن، فإن هذه الدكتاتوريات تخلق التربة الصالحة لشيوع مختلف مظاهر الشر الإنساني.
سأكتفي بالنظر إلى ما سمّيته الأكاذيب الصادرة عن الكره، وباختصار، إلى الأكذوبة الكذّابة، التي تحضر دون أي رادع أخلاقي.
والملاحظ أن الفساكيل الثقافية والسياسية هي أكثر الفئات التي تفشت فيها المفاهيم المومأ إليها، بكل ما تنطوي عليه من قيم سلبية. ولقد وجدت هذه الفساكيل في فيسبوك وتويتر وما شابه ذلك الحقلَ الذي لم تكن تحلم به لممارسة انحطاطها القيمي.
هناك جمهور من الكائنات المعروفة بوصفها أكذوبات، بعضها أكذوبات مكشوفة، وهذه الكائنات لا تشكّل خطورة على الوعي، بل تصبح موضوعاً للسخرية والتندر. وبعضها الآخر أكذوبات مستترة، لم يستطع الوعي العام أن يكشفها، فتمارس ضررها على الناس من خلال تصديقهم لها.
ما هي الأكذوبة الكذّابة؟
الكائن الأكذوبة ليس هو الشخص الذي يكذب فحسب، بل هو الشخص الذي يخدع الناس بإضفاء صفات على نفسه ليست فيه أصلاً، وراح يتصرف انطلاقاً من زيفه، وهو على دراية بحقيقته التي حجبها عن الناس، وحمل الناس، مع الأيام، على الاعتراف به.
أما الأكذوبة الكذّابة، فهي التي تمنح نفسها لقباً علمياً، على سبيل المثال، من دون أي سند قانوني جامعي، أو تتحدث عن نيلها جائزة عالمية، وليس لديها أي وثيقة تدل عليها، أو تتحدث عن شجاعتها أمام سلطان جائر، وتسرد أقوالها النقدية التي لو تحدثت فعلاً بقليل منها لما كانت الآن على قيد الحياة.
ببساطة، هي وهم. لكنها تختلف عن الأكذوبة بأنها حازت سلطة تجعل الجمهور مصدقاً لأكاذيبها. ولك أن تتخيل، أيها القارئ العزيز، ما الذي يصدر عن هذه الأكذوبة حين تعاني مرض الكره للآخر، وخاصة لفئة أو لشعب.
لكن المشكلة لا تكمن في الأكذوبة وحدها، بل في تحوّل الأكاذيب الصادرة عنها إلى منبع لأكاذيب أخرى. فنحصل على مصطلح الأكذوبة الكذّابة، تلك التي تكذب دون أن يرفّ لها جفن، وتختلق من القصص ما لا يخطر على بال، وتسرق، بخبرة عالية، من النصوص والأفكار، وتنسبها إلى ذاتها بكل سهولة.
ويزداد خطر الأكذوبة الكذّابة في السياسة أكثر من خطرها في عالم الفكر والأدب، لأن السياسة تتجه إلى الشريحة الأوسع من السكان.
وأي أكذوبة كذّابة أكذب من طائفي يهاجم الطائفية المجردة، ويصمت على جرائمها، ثم ينبري، إن مُسّت طائفته بسوء، فيقيم الدنيا ولا يقعدها؟
والأكذوبة الكذّابة التي كتبت يوماً دفاعاً عن حرية الإنسان، لو صمتت خوفاً أمام صور الإبادة لعذرناها، لكنها تدافع عن المجرم والقاتل بكل وضوح.
والأكذوبة الكذّابة تدافع عن القيم القومية العربية، وتصمت أمام الاعتداء الإيراني على بلادنا، بل وتدافع عنه.
وليس هذا فحسب، بل إن الأكذوبة الكذّابة السياسية تخلق قصصاً ووقائع وأخباراً لا أساس لها من الصحة، إذا جرى أي اختلاف في المواقف السياسية.
وإذا كان الوعي الذي يتلقى خطاب الأكذوبة الكذّابة هو وعي جماعة تنتمي إلى وعي هذه الأكذوبة، فإن هذه الجماعة تنشر كذبتها سعيدة.
وتبدأ معركة زائفة بين أنصار الأكذوبة والطرف الذي تعرّض للأكاذيب، فيرتاح صاحب الأكذوبة، لأنه صار سعيداً بانتشار أكذوبته عبر المعركة الزائفة.
ولهذا فإن خطر الأكذوبة الكذّابة، التي حازت اعتراف الآخر، خطر مرتبط بنشر الوعي الزائف. وكل وعي، في النهاية، يقود إلى سلوك، والسلوك المرتبط بالوعي الزائف قد يقود إلى ارتكاب ما لا تُحمد عقباه.
ومن حسن حظ الناس أن الوقائع العملية سرعان ما تكذّب الأكاذيب، وتتساقط معها الأكذوبات الكذّابة وتتعرّى، لكنها، مع ذلك، تظل تمارس كذبها بكل فقدان الحياء انطلاقاً من الكره القارّ في نفوسها.
