في قاعة جمعت وزراء دفاع 44 دولة، وأكثر من 54 وفداً، لم يكن السؤال الأكثر تردداً يتعلق بما قيل على المنصة، بل بمن غاب عنها: «أين الصين؟». جملة همس بها بعض الحاضرين، لكنها لخّصت مفارقة الدورة الثالثة والعشرين من «حوار شانغريلا»، التي عُقدت في سنغافورة، بين التاسع والعشرين والحادي والثلاثين من مايو/ أيار 2026. فأكبر لاعب في المشهد الأمني الآسيوي كان غائباً، بينما دارت حوله كل الخطابات تقريباً، في صورة تكشف كيف تحولت هذه المنتديات إلى مرايا دقيقة تعكس موازين القوى الحقيقية.
انعقدت القمة في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، عنوانها الأبرز كيفية تعامل آسيا مع صعود الصين، وغموض الالتزام الأمريكي، واتساع رقعة عسكرة البحار والممرات الاستراتيجية. ولم تكن القضايا المطروحة مجرّد ملفات تقنية، بل عناوين كبرى تمسّ مستقبل النظام الدولي بأكمله: التنافس الأمريكي ـ الصيني، أمن الممرات البحرية، حماية الكابلات تحت الماء، وأزمة الثقة المتنامية بين الدول.
الرسالة الأمريكية كانت الأكثر وضوحاً ومباشرة. فقد طرحت واشنطن مقاربة جديدة، عنوانها الانتقال من منطق «الحماية» إلى منطق «تقاسم الكلفة»، مؤكدة أنها لا تبحث عن محميات تعتمد على قوتها مجاناً، بل عن شركاء يتحملون نصيباً أكبر من أعباء الدفاع المشترك. هذا التحول لا يعني انسحاباً أمريكياً من المشهد الآسيوي، بل إعادة تسعير للالتزام الأمني وفق معادلة أكثر تبادلية ومشروطية، ما يضع التحالفات التقليدية أمام مرحلة من المحاسبة الاستراتيجية الدقيقة.
في المقابل، كان الحضور الصيني لافتاً بغيابه أكثر من حضوره. فغياب وزير الدفاع، للعام الثاني على التوالي، والاكتفاء بوفد أكاديمي، شكّل رسالة سياسية مزدوجة: رغبة في تجنب المواجهة العلنية من جهة، وتراجع في القدرة على تقديم الرواية الصينية مباشرة من جهة أخرى. وهكذا بدت بكين «الغائب الحاضر»، إذ دار حولها معظم النقاش من دون أن تتمكن من الرد بمستوى يوازي حجم التحدي المطروح عليها، فبدت كأنها تترك الساحة لخطاب خصومها.
أما الدول المتوسطة والصغيرة، فقد قدّمت أكثر الأصوات نضجاً وعقلانية. فيتنام تحدثت عن أزمات ثلاث تتهدّد العالم: تآكل القانون الدولي، وأزمة نماذج التنمية، وانهيــــــار الثقــــــة بيـــن الدول، داعية إلى نظام إقليمي يقوم على القانــون والحوار، لا على الاستقطاب. وسنغافورة حذّرت من أن سعي دولة إلى تعزيز أمنها يجب ألا يتحول إلى مصدر قلق لجيرانها، مؤكدة أن الإنفاق الدفاعي يحتاج إلى شفافية حتى لا ينزلق إلى سباق تسلح مدمّر. وهذه الأصوات، في جوهرها، تعبّر عن رغبة عميقة في حماية هامش القرار الوطني، من منطق «مع أو ضد».
ولم تغب القوى الآسيوية الصاعدة عن المشــهد. فاليابان رفضـــــت اتهامات «العســـكرة الجديــــدة»، وأكـــدت التزامهــــا بالقانون الدولي، فيما انتقدت ما اعتبرته توسعاً عسكرياً صينياً غير شفاف، ساعية إلى دور أمني إقليمي أوسع. والفلبين كانت من أكثر الأصوات صراحة، إذ رأت أن أيّ تهدئة بين القوى الكبرى قد تتم على حساب الدول الصغيرة، ما يدفعها إلى تعزيز تحالفاتها الدفاعية حماية لسيادتها.
ولعل أبرز ما كشفته القمة أن مركز الصراع القادم انتقل إلى البحر. فلم يعد الأمن يدور حول حاملات الطائرات والصواريخ وحدها، بل امتد إلى الكابلات البحرية والبنية التحتية تحت الماء التي تمر عبرها شرايين الاقتصاد الرقمي العالمي. التحذير الأسترالي من أن قاع البحر أصبح ميداناً للتنافس لم يكن مبالغة، بل توصيفاً دقيقاً لطبيعة التهديدات الحديثة التي تستهدف البيانات، والموانئ، والمضائق، والسفن الرمادية العاملة بين المدني والعسكري.
من هذه الزاوية تحديداً، تكتسب قضية أمن الممرات بُعدها العالمي العميق. فالقمة أكدت أن حماية الملاحة لم تعد شأناً إقليمياً ضيقاً، بل قضية كونية تمسّ استقرار الاقتصاد وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. وما يجري في بحر الصين الجنوبي ومضيقَي ملقا وسنغافورة، يلتقي في جوهره مع ما تشهده منطقتنا حول مضيق هرمز، حيث تتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط، وتصبح حرية الملاحة اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على حماية مصالحه المشتركة في وجه منطق الفوضى.
إن الدرس الأهم من هذه القمة أن العالم يدخل مرحلة «التحوّط الاستراتيجي»، حيث لا تراهن الدول على طرف واحد، بل تبني شبكات تعاون متعدّدة تحفظ توازنها، وتصون سيادتها، انفتاحاً على الشركاء كافة، وتمسكاً بالقانون الدولي، ورفضاً لمنطق الهيمنة والإكراه.
في المحصلة، لم تنتج القمة قرارات ملزمة، لكنها رسمت خريطة واضحة لاتجاهات المستقبل: عالم تتصاعد فيه أهمية البحار، وتتراجع فيه الثقة، وتزداد فيه الحاجة إلى القانون بديلاً عن القوة. وفي هذا العالم المضطرب الذي تتسارع تحولاته، يوماً بعد يوم، تبقى الدول التي تختار الحكمة، والاستقرار، والشراكة المسؤولة، هي الأقدر على صياغة مستقبلها، بثبات وثقة، لا مجرّد انتظاره على هامش الأحداث، فالقادر على قراءة المتغيرات هو وحده من يصنع موقعه فيها.
* باحث في منصة (مفكرو الإمارات)
