الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حبر فوق جبين الجمهورية

25 يوليو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 25 يوليو 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تلتبس الأمور وتتعقد المسائل لدى التحديق والتفكير في مدى الكوارث ومشاهد العنف الهائلة التي تعصف في أرضنا وعواصمنا ومن حولنا في مدننا العربية والتي لا تُثير فينا سوى القلق والعجب وأقطاب دول العالم لكأن العقل الدولي يُعيد التفكير الجدي في مستقبل العلاقات الدولية بين الشرق والغرب والتي صعدت وتصعد وستصعد سلالم الحقوق بالتفكير والتغيير.
يعيش العالم واللبنانيون وأشقاؤنا العرب التحديات والاعتداءات الدموية حيال هذا الصراع الحافل بحصار الطاقة كما بالخرائب التي لا تورثها سوى المعاندة والتحديات غير المتوازنة أو المتكافئة من العالم. تلك حروب لا هوية عقلانية متكافئة لها بل يصعب منحها هوية بين الدولة العظمى وإيران الدولة الإقليمية إذ لا هي بالحروب الكبرى أو التقليدية ولا الباردة التي تتوفر لموازينها وتوصيفها الأسباب والأحداث والنتائج كما أنّها ليست حروباً عالمية صغيرة بنسخ متعددة، إنها حروب عالمية من هذا كلّه مزدانة بأريحية باكستان الدبلوماسية والتفاوض أو شبه الصمت الروسي والصيني إلى اليقظة المشغولة بالتطرف والإرهاب الحر الذي يقرع الأبواب من مختلف الجهات.
صحيح أنّ العالم مشغول ويشارك كلّه بشكلٍ أو بآخر باتصالات وتحالفات واجتماعات متعددة لوقف العنف أو حسمه بهدف وضع حدود منطقية ونهائية لمفاهيم تاريخية على تماس غريب يُعرف بمقاييس ومعايير تحديات العظمة وأنساق العلاقات الدولية في التاريخ المعاصر، لكنّ العنف يتطاول بعنقه دموياً تاركاً لدول العالم التفكير بين من لم ولا ولن يعرف حدوده في هوامش المعاندة المُكلفة ومراكمة التحديات ونهم الدماء وتكديس الضحايا والخرائب وصولاً إلى مراكمة الأزمات المتراكمة تجديداً للأحقاد الدفينة.
قد يتجدد في عين العالم عبر كل مرحلة مفصلية من التاريخ المعاصر النقاش القديم الذي لا مفاعيل له سوى الاستفهام الدولي العام حول أي النظامين أصلح لاستقرار العالم مستقبلاً: القطبية الثنائية التي خبرتها البشرية عبر محطات مختلفة من التاريخ، منذ أثينا وإسبرطة إلى روما وقرطاجة، وصولاً إلى الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، أم نظام التعددية القطبية المفاجئة والمتشاوفة والتي تمّ وصمها بالصامتة والمستحيلة لكأنّ مراكز القوة والنفوذ في العالم باقية بما يحدّ قطعاً من قوة أطراف جديدة مفاجئة بل حضورها كما هو معهود عبر التاريخ؟.
لماذا؟، لأنّ أنصار القطبية الثنائية يرون ضرورة فرض التوازن الناصع للردع. هكذا تتراجع أو يجب أن تنحسر فكرة المغامرات الكبرى للدول الدينية الطموحة باعتبار أن كل قوة يجب أن تدرك حدودها بل يجب أيضاً أن تحفظ حدود خصومها. وفي المقابل، يصعد المنظرون، من أنصار التعددية خلف الطاولات والمطابخ الدولية في العالم، السلالم واهنين، إذ يعتبرون أن توزيع القوة بين أكثر من قطب قد يمنع الاحتكار ويُولّد شبكات أوسع من المصالح الدولية المتبادلة، بما يتيح استقراراً عالمياً أكثر مرونة واستدامة، وإن كان أكثر تعقيداً. 
دفع لبنان خلال السنوات الأخيرة أثماناً هائلة نتيجة التوترات الإقليمية، ولا سيما ما شهده ويشهده الجنوب اللبناني من مواجهات ودمار هائل وخسائر بشرية واقتصادية خيالية. وبين الانقسام السياسي الداخلي، وتضارب الرؤى حول موقع لبنان فوق طاولات المنطقة والعالم، يجد اللبنانيون مستقبلهم في حالة انتظار دائم لتطورات لا يملكون التحكم فيها دائماً فيما تتراجع أولويات الإصلاح والإنقاذ الاقتصادي وتشتعل الانقسامات المذهبية والطائفية والمناطقية أمام ضغوط الأمن والسياسة.
وتأتي زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى الولايات المتحدة ولقاؤه مع الرئيس دونالد ترامب في توقيت منتظر وبالغ الضرورة والحساسية مع أنّ الزيارة حملت أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية باعتبارها عنواناً لفرصة جديدة تاريخية فريدة تؤكّد مجدّداً دعم استقرار لبنان، وتعزيز مؤسساته الشرعية، وتشجيع المجتمع الدولي على المساهمة في إنعاش اقتصاده سعياً إلى تحييده الممكن عن صراعات الإقليم والدخول في سيناريو السلام مع إسرائيل.
أما آفاق المستقبل فمرهونة بمسارين متوازيين: الأول، قدرة القوى الكبرى على منع انزلاق المواجهة الأمريكية – الإيرانية إلى حرب إقليمية شاملة، والثاني، حكمة الدول العربية ولبنان في طليعتها، على بناء سياسات وطنية تستند إلى المصلحة العليا بعيداً من الانقسامات والمحاور.
أثبت التاريخ، أخيراً، أن السلام الدائم لا يتحقق بتوازن القوى فقط، بل بتوازن المصالح أيضاً، وبوجود مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات قبل أن تتحول إلى صراعات فحروب. ومن هنا، فإن مستقبل المنطقة لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل الإرادات السياسية والحكمة الدبلوماسية، والقدرة على بسط الجغرافيا من ساحات صراع إلى مساحات تعاون دولي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة