لا يعاني سوق الألعاب الإلكترونية في دول مجلس التعاون الخليجي ضعفاً في التطوير، بل يواجه نقصاً كبيراً في الخدمات والدعم على مستوى المنصات الرقمية. فالمستخدمون في المنطقة ينفقون بالفعل بمعدلات مرتفعة على الشراء، والاشتراكات، وتنزيل الألعاب، والبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تعمل الاستوديوهات المحلية بنشاط على بناء مجتمعات رقمية أكثر نضجاً، يوماً بعد يوم. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة واضحة، مقارنة بالأسواق المتقدمة، مثل اليابان والولايات المتحدة وأوروبا الغربية، إذ لا تزال الركائز الأساسية لتجربة الألعاب الحديثة، مثل البث السحابي، والمتاجر الرقمية الناطقة بالعربية، والمنظومة الرسمية للأجهزة والعلاقات الإقليمية بالمطورين، وقنوات الدفع المحلية، إما غير مكتملة إلى حد كبير، أو غير متسقة عبر المنطقة.
اليوم، يستضيف مركز دبي للسلع المتعددة أكثر من 150 شركة ألعاب، تمثل أكثر من 40% من إجمالي قطاع الألعاب في دبي، ضمن مجتمع تكنولوجي أوسع للمركز يضم أكثر من 4,000 شركة. كما يشهد قطاع الألعاب في دبي نمواً متسارعاً، حيث تضم المدينة أكثر من 350 شركة ألعاب، من بينها 260 مطوّراً متخصصاً. وفي الوقت نفسه، يستهدف «برنامج دبي للألعاب الإلكترونية 2033» خلق 30,000 وظيفة جديدة، والمساهمة بقيمة مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي، بحلول عام 2033، فيما تشير التقديرات الحالية إلى أن سوق الألعاب في دولة الإمارات، قد تقترب من 2.4 مليار دولار من الإيرادات، بحلول أوائل العقد المقبل.
لذلك، فإن التحدي الأساسي لا يكمن في حجم الطلب. فعلى الرغم من وجود بنية تحتية متقدمة لشبكات الجيل الخامس، ووصول معدلات الإيرادات لكل مستخدم إلى مستويات عالمية متقدمة، لا تزال دول الخليج سوقاً عالية الربحية، لكنها تعاني نقصاً في اكتمال منظومة المنصات الرقمية.
وتتصدر مجموعة من الفجوات الواضحة المشهد الحالي، حيث يتجلى أبرزها في منظومة Xbox. فعلى الرغم من إتاحة خدمة Xbox Game Pass بالكامل وبأسعار محلية في أسواق خليجية رئيسية، فإن خدمة Xbox Cloud Gaming لا تزال غير متاحة في المنطقة، وتمثل هذه الفجوة نقطة لافتة، خصوصاً أن مايكروسوفت تدير مراكز بيانات Azure في دبي وأبوظبي منذ عام 2019، ما يشير إلى أن التحدي لا يرتبط بالبنية التحتية بقدر ما يتعلق بمسألة الترخيص، وإطلاق المنتجات والأولويات التجارية. ومن شأن تفعيل هذه المراكز المحلية لـ Azure استكمال منظومة الخدمة والإسهام في رفع متوسط الإيرادات لكل مستخدم وتقليل معدلات فقدان العملاء وفتح المجال أمام شراكات جديدة مع شركات الاتصالات لتقديم تجربة ألعاب أكثر مرونة في المنطقة.
أما Nintendo فتتبع نهجاً مشابهاً، حيث تدير أعمالها باعتبار المنطقة سوقاً للتوزيع أكثر من كونها شريكاً رقمياً متكاملاً، وعلى الرغم من أن متجر Nintendo في السعودية، والذي يديره موزّع محلي، يُعد خطوة إيجابية، إلا أنه لا يرتبط بخدمات My Nintendo Store، أو متجر eShop، كما لا يتوفر دعم باللغة العربية على أجهزة Nintendo Switch وSwitch 2، ولا يوجد برنامج إقليمي لدعم العلاقات بالمطورين. وبالنسبة لاستوديوهات، مثل Artisan Studios، التي تتخذ مركز دبي للسلع المتعددة مقراً لها، فإن هذا الأمر يشكل قيداً هيكلياً على نشر وتطوير المحتوى العربي، ليس على مستوى الوصول إلى المستخدمين فقط، بل أيضاً على مستوى النشر نفسه. لذلك، يعتبر بناء منظومة رقمية متكاملة ركيزة أساسية لتعزيز تبني امتيازات الألعاب على المدى الطويل، وتحسين الوصول إلى المستهلك، وفتح قنوات الدفع الرقمي أمام شريحة الشباب الأكثر استخداماً للتكنولوجيا بالمنطقة.
وبالنسبة إلى PlayStation، تضع شركة سوني معياراً إقليمياً لدعم المستخدمين باللغة العربية، ولكن خدمات الألعاب السحابية التابعة لها لم تصل بعد إلى دول الخليج. إذ لا تزال خدمات البث السحابي لألعاب PS5 وجهاز PlayStation Portal مقتصرة على عدد من الأسواق، التي لا تشمل دول مجلس التعاون الخليجي، ومن شأن إتاحة هذه الخدمات في دول الخليج تعزيز تجربة PlayStation الكلية بما يواكب الحضور القوي للعلامة في المنطقة، وتوفير قاعدة مهمة لنمو الألعاب الإلكترونية (eSports) محلياً، وزيادة التفاعل القائم على الاشتراكات.
وتحظى الشركات الكبرى الأخرى بنفس الفرصة لتحقيق حضور إقليمي قوي، مثل منصة Steam التابعة لشركة Valve، التي لا تزال المنصة المهيمنة لألعاب الحاسب في معظم دول الخليج. وعلى الرغم من هذه المكانة، فإن Steam لا توفر واجهة استخدام باللغة العربية، ولا تتيح للمستخدمين اختيار العربية كلغة لواجهة المستخدم، على الرغم من إشارة المطورين إلى وجود دعم بالعربية على مستوى كل لعبة على حدة. ومن ثم، فإن الفرصة لا تقتصر على إضافة العربية فحسب، بل تتمثل في توفير تجربة متكاملة باللغة العربية على مستوى المنصة بأكملها، بما في ذلك دعم الكتابة من اليمين إلى اليسار والخطوط العربية، وتصميم المتجر وإدارة المجتمع الرقمي، وتعزيز خدمات الدعم ومنظومة التجارة الإقليمية. أما بالنسبة إلى مطوري الألعاب في دبي، فإن التحديات المتمثلة في الضرائب العابرة للحدود، ومعالجة أنظمة الدفع والاستقطاعات الضريبية، وتوزيع إيرادات المنصات، قد تؤثر بصورة مباشرة في صافي العوائد، ما يجعل البنية التحتية المحلية الخاصة بالنشر وشبكات الدفع أمراً يرتبط مباشرة بالربحية، لا مجرد مسألة تشغيلية.
وينطبق المنطق ذاته على الخدمات السحابية، فخدمة NVIDIA GeForce NOW لديها مسار تشغيلي في المملكة العربية السعودية، لكنها لا تمتلك مساراً مماثلاً في دولة الإمارات، ما يترك سوقاً رئيسية من دون بنية تحتية محلية مباشرة. أما Amazon Luna، فلا تزال غير متاحة كخدمة سحابية متكاملة في دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من وجود بنية AWS التحتية في المنطقة، حيث تقتصر الخدمة حالياً على 14 سوقاً خارج الخليج. ويُعد إنشاء مسارات سحابية محلية عاملاً مؤثراً في تقليل زمن الاستجابة، وتحسين جودة التجربة، وخلق فرص تجارية جذابة لباقات الخدمات مع شركات الاتصالات في المنطقة.
ولا بدّ لأيّ استراتيجية جدية لقطاع الألعاب الإلكترونية في دول الخليج من إدراك واقع السوق الذي يتصدره الهاتف المحمول، فعلى الرغم من أن قطاعَي أجهزة الكونسول والكمبيوتر الشخصي يمثلان شريحتين عاليَتي القيمة، إلا أن الهاتف المحمول هو المكان الذي يتركز فيه أغلب حجم السوق وسلوكات الدفع، والنمو المتعلق بصُناع المحتوى، وهناك عدة نماذج دولية يمكن الاستفادة منها، أبرزها كندا وفرنسا، اللتان تحولتا إلى قوى عالمية في مجال تطوير الألعاب، من خلال الإعفاءات الضريبية القوية ودعم المطورين. وتمتلك دولة الإمارات موقعاً فريداً يتيح لها تبني نموذج خاص بها. فبينما تركز أسواق المنطقة الأخرى على ضخ رأس المال، تكمن الميزة التنافسية للإمارات في الابتكار التنظيمي، والاستقرار التشريعي، وسهولة ممارسة الأعمال التجارية.
وما تحتاجه المنطقة الآن، هو دعم عملي يسهل عمليات التطوير، والنشر، والتوظيف، والتوسع، وهذا يعني خفض عوائق دخول السوق عبر شراكات استراتيجية مع مزوّدي الخدمات القياسية مثل Unity وUnreal Engine وXsolla. فمن خلال توفير تراخيص منخفضة الكلفة، وإتاحة فرص وصول تفضيلية وتسهيل نظم الدفع للشركات داخل دولة الإمارات، يمكن تطوير الألعاب محلياً، بصورة أكثر كفاءة من أي منطقة أخرى في العالم، ويدعم مركز دبي للسلع المتعددة هذا التوجه بشكل مباشر، من خلال إصدار التراخيص المتخصصة وتأشيرات الألعاب الإلكترونية المصممة، لجذب المواهب العالمية والاحتفاظ بها.
وفي الختام، لا يكمن التحدي في حجم الطلب، بل في التنفيذ، وباعتباره المركز الفعلي لقطاع الألعاب في دولة الإمارات، يشجع مركز دبي للسلع المتعددة المنصات العالمية، بما في ذلك EA وUbisoft وRiot وDiscord وRoblox وEpic وTwitch وYouTube Gaming، على الانتقال من كونها نموذج بيع، إلى نموذج تشغيلي متكامل. ومن خلال تأسيس تواجد فعلي في دبي يتيح لها التوظيف والمواءمة المحلية والنشر ودعم صناع الألعاب وإدارة العلاقات بالمطورين وعمليات الإشراف والأمان والموثوقية، ستتمكن هذه الشركات من ربط منتجاتها العالمية بواحد من أكثر مجتمعات الألعاب انتعاشاً في العالم. إن الشركات التي تبني أعمالها انطلاقاً من الخليج اليوم، ستسهم في رسم ملامح العقد المقبل لقطاع الألعاب في المنطقة. أما من يتحرك أولاً، فلن يقتصر دوره على الوصول إلى لاعبي دول مجلس التعاون الخليجي، بل سيمتد إلى المساهمة في تشكيل المنظومة الرقمية التي ستحدد مستقبل هذه الصناعة في المنطقة.
* الرئيس التنفيذي الأول والمدير التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعدّدة (DMCC)
