كأس العالم 2026 حدث استثنائي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليس فقط بسبب اتساع المشاركة إلى 45 منتخباً إضافة إلى الدول الثلاث المستضيفة، بل لأنه يعكس تحولاً كبيراً في فلسفة كرة القدم العالمية، من حيث التنافسية والانتشار الجغرافي وتنوع المدارس الكروية. وهذا يفتح أمامنا فرصة حقيقية للتأمل والدراسة، لا سيما ونحن نطمح لبناء منتخب وطني قادر على بلوغ مونديال 2030 بثبات واستحقاق.
أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا المونديال هو الاستقرار الفني في المنتخبات المتأهلة، حيث نلاحظ أن غالبية الاتحادات حافظت على مدربيها لفترات طويلة دون تسرع في الإقالة أو الاستقالة، وهو ما انعكس إيجاباً على الانسجام وتطور الأداء. هذا العامل وحده كفيل بإعادة النظر في بعض الأمور المهمة في تطور المنتخبات، حيث ما زال التغيير السريع للمدربين يعرقل بناء المشاريع الكروية طويلة المدى.
كذلك الحاجة إلى خوض أكبر عدد من المباريات الودية التي تمنح المنتخب صورة فريق محترف تنافسياً داخل وخارج الدولة، كما أن قوة المنتخبات المشاركة ترتبط بشكل مباشر بجودة دورياتها المحلية، التي توفر للاعبين بيئة تنافسية عالية ومستويات احتكاك مستمرة. وهذا يدفعنا إلى مراجعة دورينا المحلي، ليس من حيث الخطط فقط، بل من حيث الاستمرارية ورفع نسق المنافسة، رغم قناعتي بأن ما يتم العمل عليه حالياً في دوري أدنوك للمحترفين في أغلب البرامج يعد جيداً ويحتاج فقط إلى الوقت ليؤتي ثماره.
أما من ناحية التنظيم، فإن هذا المونديال يقدم نموذجاً مختلفاً، حيث يقام في ثلاث دول، مع تحديات مناخية وكلفة حضور مرتفعة بشكل لافت، حتى إن بعض المشجعين دفعوا مبالغ تصل إلى 4000 دولار لتذكرة واحدة في دور المجموعات، ما يعكس التحول الكبير في اقتصاد كرة القدم.
ويحمل المونديال الحالي بُعداً عربياً لافتاً، مع وصول ثمانية منتخبات عربية، وسط تطلعات بأن يكون للعرب حضور مؤثر. وتبرز هنا أسماء كبيرة مثل المغرب بقيادة إبراهيم دياز، ومصر بقيادة النجم محمد صلاح، حيث تعقد الجماهير آمالاً واسعة على تقديم أداء تاريخي يليق بهذه المرحلة.
وفي الختام، فإن هذا المونديال ليس مجرد بطولة عابرة، بل هو مرآة حقيقية لتطور اللعبة عالمياً، ورسالة واضحة بأن النجاح لم يعد وليد الصدفة، بل نتاج تخطيط طويل، واستقرار فني، واستثمار ذكي في المواهب.
