من أطرف ما سمعته أخيراً في إحدى قنوات الجار العدو محاولة تسويق رواية ساذجة تقول إن مضيق هرمز يحمل اسماً فارسياً، وبالتالي فإن ذلك يشكل دليلاً تاريخياً على ملكية إيران له.
من الصعب التعامل مع هذا النوع من الطرح التافه. فلو كانت أسماء الأماكن تمنح حق السيادة المطلقة على الممرات الدولية، لتغيرت خريطة العالم كلها بين ليلة وضحاها. القانون الدولي لا يُبنى على الشعارات ولا على الروايات الدعائية، بل على الاتفاقيات والقواعد التي توافق عليها المجتمع الدولي.
الأكثر إثارة للاستغراب هو الغياب شبه الكامل للأمم المتحدة عن هذا المشهد الخطر، وكأن المنظمة الدولية التي يفترض أن تكون الحارس الأول للقانون الدولي دخلت في حالة من السكون المزمن، أو كأننا أمام حفل تأبين طويل لمؤسسة داهمها الهرم.
منطقياً وقانونياً، يبقى مضيق هرمز ممراً ملاحياً دولياً مفتوحاً أمام جميع الدول. هذا المبدأ ليس وجهة نظر خليجية أو غربية أو آسيوية، بل قاعدة أساسية من قواعد النظام الدولي الحديث. وأي محاولة لتغيير مفهوم حرية الملاحة أو فرض ترتيبات جديدة على حركة السفن لا يمكن أن تتم بقرار أحادي من دولة واحدة، مهما كان حجمها أو موقعها الجغرافي، بل عبر المؤسسات الدولية المختصة وبموافقة المجتمع الدولي.
لهذا السبب، من المتأمل أن تضع دول الخليج كل خلافاتها جانباً عندما يتعلق الأمر بأمن المضيق. فهذه ليست قضية سياسية عابرة، بل قضية وجودية تمس الأمن الوطني والاقتصادي لدول المنطقة، وتمس في الوقت نفسه الاقتصاد العالمي بأكمله.
المطلوب في هذه المرحلة هو تحرك سياسي دبلوماسي وقانوني واسع النطاق لاستصدار قرار أممي ملزم بحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتوفير آلية مراقبة دولية دائمة عند مداخل الخليج ومخارجه، تضمن سلامة السفن التجارية وناقلات الطاقة وكافة وسائل النقل البحري العابرة للمضيق.
بل إن الأمر يجب أن يتجاوز ذلك إلى إنشاء إطار دولي تشارك فيه الدول المستفيدة من التجارة العالمية في تحمل مسؤولية حماية هذا الشريان الحيوي. فإذا كان العالم كله يستفيد من انسياب التجارة والطاقة عبر الخليج، فمن الطبيعي أن يسهم العالم كله في حماية هذا الممر الاستراتيجي.
أما الرهان على أن الأزمة ستبقى محصورة داخل حدود المنطقة فهو رهان ساذج وخطر. فالعالم المعاصر مترابط بصورة غير مسبوقة، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبر هرمز سينعكس على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم والنمو الاقتصادي في مختلف القارات ، ولا شك أن من مصلحة دول الخليج رفض تحويل أهم ممر مائي في المنطقة إلى أداة ابتزاز سياسي أو اقتصادي فهم أكبر الخاسرين.
يا لوقاحة المشهد الذي يتبناه العدو، أن تكون أنت المعتدي الآثم ثم تحاول تقديم نفسك باعتبارك الجهة المخولة بإدارة الحل. أن تعتدي ثم تطالب الآخرين بالامتثال لشروطك. وأن تسعى إلى عسكرة الجغرافيا وتحويل موقعك على الخريطة إلى أداة ضغط على العالم بأسره.
هرمز لم تصنعه ايران و ليس ميناءً خاصاً، حتى تتصرف به كما تشاء. إنه ممر دولي حيوي ترتبط به مصالح عشرات الدول ومئات الملايين من البشر. وليس من حق أي دولة أن تقرر منفردة مستقبل التجارة العالمية أو أمن الطاقة الدولي. إعلان ايران عن إنشاء هيئات أو سلطات جديدة للإشراف على العبور في المضيق لا يعدو كونه محاولة أخرى لإضفاء شرعية شكلية على واقع لا يعترف به القانون الدولي. إنها نسخة مكررة من كوميديا سياسية باتت مكشوفة ومملة ورخيصة في آن واحد.
إن التحدي الإيراني السافر لقواعد الملاحة الدولية يجب ألا يمر بلا ثمن سياسي أو قانوني. وعلى الدول التي صاغت النظام الدولي وأسست مؤسساته أن تثبت أن تلك القواعد ليست مجرد نصوص جميلة تُقرأ في المؤتمرات ثم تُنسى عند أول اختبار حقيقي.
لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن القانون الدولي وحده لا يكفي. فالقرارات الأممية مهما كانت قوية تفقد قيمتها عندما لا تملك الإرادة السياسية والقدرة التنفيذية لحمايتها. فالقانون الذي لا تحرسه قوة جماعية يتحول في النهاية إلى مجرد أمنيات مكتوبة على الورق.
ومن هنا تأتي أهمية تحرك دول الخليج المشترك مع كل شركائها، فهي أكبر المتضررين. فالحراك الدبلوماسي المنظم والمؤثر قادر على تحويل القضية من أزمة إقليمية إلى قضية عالمية تتعلق بمستقبل حرية الملاحة والتجارة الدولية.
أما السيناريو الأخطر فهو أن تبدأ بعض الشركات أو الجهات التجارية بالقبول بالأمر الواقع، وأن تدفع رسوماً أو إتاوات تحت أي مسمى كان. عندها ستتحول الأزمة من إجراء مؤقت إلى نموذج دائم، وسيكتشف العالم متأخراً أنه منح الشرعية لمنطق الابتزاز.
متى ما ذاقوا المال الناتج عن السيطرة على الممرات التجارية لن يتخلون عنه أبداً إلا إذا أرغموا على ذلك. وعندما يصبح العائد المالي جزءاً من المعادلة، تتضاعف الحوافز للتصعيد والمساومة والضغط.
ولهذا تحديداً، لا وقت للحياد بالنسبة لهرمز، فالقضية ليست خليجية، بل قضية النظام الاقتصادي العالمي المتشابك والذي لن يستطيع استبدال حصتنا في الطاقة أو في التجارة العالمية وإن استطاع لفترة قليلة فلن يستطيع الاستمرار . إما أن يبقى هرمز ممراً دولياً مفتوحاً تحكمه القوانين الدولية، أو يفتح العالم الباب أمام سابقة خطرة ستتكرر في ممرات ومضائق أخرى حول العالم.
