هل نحن نستحق النجاح قبل أن نصنعه؟
نحن نسأل الحياة: لماذا لم أحصل على ما أريد؟
والحياة تسألنا في المقابل: وماذا فعلتَ؟
وبين السؤالين مسافة اسمها وهم الاستحقاق.
في النهاية نحن أمام خيارين: استحقاق تتعب من أجله، وآخر تحلم به فقط. الأول يسأل: ماذا قدّمت؟ والثاني يسأل: لماذا لم أحصل بعد؟
هذا الوهم له ثلاثة أوجه. الأول أننا نظن أن الوجود وحده كافٍ، وأننا نستحق، لأننا هنا، لكن الحياة لا تكافئ الوجود، تكافئ الفعل. والثاني أن سقف توقعاتنا أكبر منا، مستوى فرضه الوهم ولم نبنه نحن، فنطالب به كحق لا كهدف. والثالث الموروث الاجتماعي من حسب ونسب، الذي يفتح الأبواب أحياناً، لكنه يوقفنا عند العتبة، ونحسب أننا دخلنا. حين يطالب الإنسان بمكافأة لم يدفع ثمنها، صار التوقع وهماً لا هدفاً.
الاستحقاق الحقيقي يُبنى بالحضور والعمل، أما الوهم فهو ذلك الشعور الزائف بالأمان الذي نؤجل فيه مواجهة أنفسنا.
منصات التواصل تساهم في هذا الوهم بعمق، فبتنا نقارن ضعفنا الداخلي بالمظاهر الخارجية للآخرين التي يتقنون تزييفها. نحن من حفر الفخ ووقع فيه، نرى ما يعرضونه على الشاشات ونقيسه على حياتنا، فنشعر بالظلم لأننا نرى نتيجة الآخرين، وننسى أن ما نراه واجهة اختاروها بعناية.
واكبنا الحداثة والتطور، لكن المواكبة شيء والفهم شيء آخر. نحن كمن يجلس في قطارٍ فائق السرعة يرى الحياة شريطاً متسارعاً خلف الزجاج، بينما من في الخارج يمارسون حياتهم بوتيرتهم الخاصة. القطار يتحرك، نعم، لكننا نسينا أن النضج لا يأتي من سرعة الرحلة، بل من خوضها. مشكلتنا أننا ننتظر استحقاقاً واقعياً لنتائج لم نتكبد عناء بنائها، نعتقد أن سرعة العالم من حولنا تعفينا من مشقة الطريق.
الحياة لا تدين لنا بشيء، وما نملكه حقاً هو ما صنعناه بأيدينا ودفعنا ثمنه مسبقاً، أما ما انتظرناه فلم يكن لنا يوماً. العالم يتغير بسرعة مذهلة، والسرعة ليست تذكرة عبور، فالتغيير من حولك لا يعفيك من تعب الرحلة.
الحياة لم تعِد أحداً بشيء، لكنها لم تمنع أحداً من بناء استحقاقه. الفرق الوحيد بين من وصل ومن انتظر أن تأتيه الأشياء سؤالٌ واحد: ماذا فعلت؟
الاستحقاق الحقيقي ليس عطاءً بلا مقابل، هو جهد تعرفه أنت قبل أن يعرفه الجميع.
