ألا ترى أن العالم العربي يبالغ في تفخيم التراث، وتعظيم الميراث؟ حذار ارتكاب خطيئة وصف هذه العاطفة، بأنها مشاعر استعراضية: أحبّك، ولكنني لا أنمّيك باستثمارك والاستثمار فيك، بوصفك ثروة. لكن، معاذ الله أن يُجنّ جنون عشق الموروث، فيصير فاجعةً كارثيةً، مثلما دعا وزير تراث عربيد الدولة إلى قصف غزّة بقنبلة نووية.
كيف نستوعب أن العقل العربي، في العصر الحديث، قطَع الجسور بين الثقافة والسياسة. هذه مفارقة كاريكاتورية لاذعة، لأن الثقافة العربية قامت أساساً على الشعر، والشعر العربي تُشكل السياسة فيه ركناً أساسياً متشعباً في فروع. نرى السياسة في الحماسة والفخر والغزل والمدح والهجاء والرثاء. عجباً، وهل ثمة أغراض شعرية أخرى غير هذه؟ فإن وُجدت فمن السهل إقحامها وإدغامها في تلك. لا استثناءات، منذ الجاهلية.
عندما يقول طرفة بن العبد، الذي رحل في السادسة والعشرين: «إذا القوم قالوا من فتىً؟ خلتُ أنني.. عُنيت فلم أكسل ولم أتبلّدِ»، هل كان الكسل والتبلّدُ، عندهم غير ما يعنيانه في زماننا؟ إذا كان الشعر معفىً من انتهاء الصلاحية، فإن الفهم السليم للبيت اليوم، هو: إذا نادى المنادي في موقع شبكيّ يشاهده العرب جميعاً: من ينقذ الأمّة من هذا الضياع الجيوسياسي؟ فإن أربعمئة مليون عربي، سيرى كل واحد منهم أنه هو المعني شخصياً.
هذا النوع الترساني من الشعر، ليس طقطوقةً طربيةً، ولا معزوفةً بلاغيةً، يترنح الرأس عليها كرقاص الساعة الحائطيّة. هذا مثل كونشرتو الترومبيت، الحركة الثالثة، رائعة هايدن. هل ستقول: وأنّى يكون للأمّة ذلك، ومنذ أمد بعيد لم تحلّق بها عقبان إرادة الحياة، والشوق إلى الإشعاع الحضاري، لكن القدامى لم يعرفوا شلل الاستجابة للتحدي. ما قيمة التراث السياسي، إذا لم ننظر إليه بعدسة الحاضر، وهو حيّ فينا، أو ونحن أحياء فيه؟ هل كان المعتصم، حين أجاب صرخة امرأة في بلاد الروم، ينتصر لقيم أخلاقية دينيّة سياسية، أم كان يبحث عن التبجّح الفردي؟ ماذا كان يفعل لو شاهد مادلين أولبرايت، وهي تقول عن وفاة نصف مليون طفل عراقي: «شغلة حرزانة»؟ كيف يستطيع الأستاذ أن يشرح لطلابه قول المتنبي: «أعلى الممالك ما يُبنى على الأسلِ»؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الكيميائية: في مختبر التجربة الذهنية: ضع بيت طرفة، وأضف إليه شحنة «كلكم راعٍ...».
