في الصور القديمة لآبائنا وهم في عمر الثلاثين، يصعب أحياناً تمييز مَن هُم. وفي يوم الأب قبل أيام، وقفت أمام صورة والدي طويلاً وسؤال واحد يطاردني: ماذا لو تبادلنا الأدوار! هل كان سيكون أنا لو عاش في بيئتي؟ وهل كنت سأكون نسخة منه لو عشت في وقته؟
نتشابه في الدم، لكننا نختلف في البيئة التي صنعت كلاً منا.. البيئة الأولى لم تكن مبنىً ولا مؤسسة. الصحراء كانت أحد وجوهها، علّمت الصبر لأنها لا تكافئ المستعجل، والصمت لأنه ضرورة للنجاة لا فراغ. والبحر كان وجهها الثاني، علّم الشجاعة لأن الخوف وحده لا يعيد الغواص إلى بيته، وأن الإقدام رغم الخوف كان شرطاً للرزق. والجبال كانت وجهها الثالث، علّمت التحمّل. والفريج كان وجهها الرابع، علّم المسؤولية لأن الجميع يرون الجميع، ولا مكان فيه للفرد المنفصل عن جماعته. أما الحاجة فكانت المعلّم الصامت! علّمت أن قيمة الشيء تُقاس بما بذلته لتناله، لا بما دفعته لتشتريه.
البيئة اليوم مختلفة.. عالم لا تستقر فيه الأرض تحت أقدامنا، الظروف تتبدل قبل أن نفهمها، والقيم تُفرض قبل أن تُفهم. وأصوات هذه البيئة كثيرة ومتناقضة: المدرسة، الإنترنت، الشركات العالمية، الذكاء الاصطناعي، الخوارزميات التي تعرف ما نريد قبل أن نعرفه نحن.
الصحراء كانت تهمس: اصبر
العالم الرقمي يصرخ: أسرع.
ليس هذا مجرد اختلاف في الأسلوب.. هو الفارق بين بيئة تشكّل الإنسان ببطء، وبيئة تبنيه بسرعة. ما يتشكل ببطء يدوم، وما يُبنى في عجلة يحتاج إلى صيانة دائمة.
لكن هل تغيرت القيم حقاً، أم تغيّرت طريقة التعبير عنها؟ كان الآباء يعبرون عن الحب بالمسؤولية والصمت. جيلنا يعبر عنه بالكلمة والدفء. كل بيئة تعطي شيئاً، وتأخذ شيئاً آخر. البيئة الأولى صنعت الصبر والانتماء للجماعة، لكنها لم تصنع الانفتاح على العالم. والبيئة الثانية صنعت المعرفة والسرعة والاستقلال، لكنها ربما أضعفت التأمل الذي يولد الحكمة. ليست المشكلة أن أبناء اليوم أقل وفاءً لقيم آبائهم، إنهم يعيشونها في عالم تغيّرت قواعده. القيم لم تمت، تبحث لنفسها عن لغة جديدة في زمن لا يعرف الثبات.
ربما لا نختلف عن آبائنا في القيم بقدر ما نختلف في البيئة التي علّمتنا كيف نعيشها.
وربما حين يقف أبناؤنا بعد ثلاثين عاماً أمام صورنا، لن يسألوا إن كانوا يشبهوننا...
فالوجوه تشبه آباءها، أما الإنسان فينا فابنُ البيئة والأيام.
