لم يكن علي بن سالم العويس مجرد مدير عام لمؤسسة اتصالات (1982 - 2004) بل كان مدرسة في القيادة. ومثله كثيرون ممن وهبوا حياتهم لخدمة الوطن. إلا أن خصوصية تجربته جاءت لأنه كان يقود أحد أهم قطاعات البنية التحتية في دولة الإمارات، في زمن كانت فيه القرارات التي تُتخذ ترسم ملامح المستقبل لعقود مقبلة.
كنا نناديه جميعاً «بو سالم». كانت النظرة الأولى إلى عينيه الجاحظتين تخبرك بشيء واحد: هذا الرجل لا يكره في الحياة شيئاً أكثر من التملق. لم يكن يطيل الشرح، ولا يبرر قراراته، وكان يختصر أكثر المواقف تعقيداً بكلمة واحدة، لكنها كانت كلمة تنهي النقاش وترسم الآتي.
في بداية التسعينيات جمعنا، ونحن مجموعة من خريجي الجامعات الأمريكية والبريطانية الذين التحقوا حديثاً باتصالات، وكلفنا بمرافقة وفود من شركات وهيئات اتصالات خليجية وعربية وآسيوية جاءت للاطلاع على تجربة الإمارات في مد شبكات الألياف الضوئية وربط الدولة بأكملها ببنية تحتية رقمية كانت، آنذاك، من الأكثر تقدماً في العالم.
وكان سؤال الوفود يتكرر في كل زيارة: لماذا تستثمرون كل هذه المليارات في كابلات ذات مواصفات عالية، بينما عدد سكان الإمارات لا يتجاوز ثلاثة ملايين ونصف المليون، وحجم الاقتصاد لا يبرر هذا الهدر؟
سألنا بوسالم: ما جوابنا على ذلك؟ فقال بلا تردد: «من قال لهم إننا نبني حق اليوم؟ نحن نبني للمستقبل».
أصبحت تلك العبارة ردنا الموحد على كل الأسئلة. وبعد سنوات، أثبت الزمن أن ما اعتبره البعض مبالغة كان رؤية سبقت الجميع، وأن تلك الشبكات أصبحت أساس الاقتصاد الرقمي الذي تعيشه الإمارات اليوم.
كنا أبناءه في المؤسسة، مديراً صارماً، وأباً لا يقبل أن يتفوق أحد على أبنائه.
ولا أنسى موقفاً في نهاية التسعينيات عندما مازحه صقر غباش، وكان حينها وكيل وزارة الإعلام والثقافة، قائلاً: لولا الاحتكار لما أصبحت اتصالات بهذه القوة، السوق كله أُعطي لكم. لم يرد بو سالم داخل الاجتماع، لكنه وهو يغادر شمر كندورته عن ساعده، وضرب عليه بكفه قائلاً بابتسامته المعهودة: «طال عمرك... محد عطانا شيء... خذناها زندية... زندية».
في تلك الجملة اختصر فلسفة جيل كامل، جيل لم ينتظر الفرص، بل صنعها، ولم يبنِ لليوم، بل بنى للإمارات التي نعيشها اليوم.
