الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بيروت.. تبقى ونبقى

1 يوليو 2026 00:33 صباحًا | آخر تحديث: 1 يوليو 00:34 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في الإمارات، حيث تختصر المدن حكايات العالم، وحيث تأتي القارات إلينا بلغاتها ووجوهها وألوانها، من دبي التي تجمع العالم في شوارعها، إلى أبوظبي التي تحتضن تنوعه في هدوئها واتساعها، ربما لم نعد بحاجة إلى السفر كي نرى العالم.
لكننا لا نسافر دائماً بحثاً عن مكان لم نره، بل بحثاً عن شعور لم نعشه منذ وقت طويل.  نبحث عن لحظة نستعيد فيها طاقتنا، ونترك خلفنا ضجيج الأيام لنسمع صوتنا الداخلي.
وهناك جيل كامل عرف أن بعض الرحلات لا تقاس بالمسافة، بل بما تتركه في القلب. جيل كان يعرف تماماً معنى أن تحجز تذكرة إلى بيروت، لا لأنك تبحث عن وجهة، بل لأنك تبحث عن فسحة بينك وبين ذاتك.
قرار السماح للإماراتيين بالعودة إلى لبنان، لم يكن خبراً يعيد ترتيب إجراءات السفر فقط، بل فتح صفحة قديمة من دفتر الذكريات. يعيد إلينا فنادق اعتدنا أن نختار نوافذها على بحر الروشة، وصباحات الحمرا حيث كانت القهوة تبدأ بين أرفف المكتبات، فنخرج منها محملين بكتب أكثر مما خططنا لشرائه، وكأن بيروت كانت تعرف أننا نأتي لنحمل منها شيئاً يبقى بعد الرحيل.
يعيد إلينا طرقاً لا تُقاس بالكيلومترات، طريقاً يصعد بنا إلى الأرز حيث يعلمنا الشجر معنى الصمود، وإلى بشري حيث تبقى كلمات جبران شاهدة على أن بعض الأوطان تُبنى بالحبر قبل الحجر. يعيد إلينا ليالي جبيل وبيت الدين،  وآثار بعلبك وهي تذكرنا بأن الزمن قد يغير كل شيء إلا ما تصنعه الحضارات العظيمة.
ويعيد إلينا مقاهي السوليدير، وأرصفة بيروت التي كانت تمنح العابر شعوراً نادراً: أن المدينة لا تستقبلك كزائر، بل كصديق عاد بعد غياب.
نحن اليوم على موعد جديد مع لبنان، لبنان الذي لم ينتظر عودة الزوار فقط، بل انتظر أن يستعيد هو نفسه أنفاسه، وأن يفتح أبوابه كما عرفناه دائماً: أهلاً وسهلاً، وموعداً للفرح، وبيتاً صغيراً لكل من ترك فيه جزءاً من قلبه.
وفي مدينة خرجت من بين الركام أكثر من مرة، وبقيت تغني رغم التعب، ربما لا نجد ما يلخص عودتنا إليها أكثر من صوت زياد الرحباني وهو يقول: «إيه في أمل».
نعم، هناك أمل، أمل بأن تعود بيروت إلى صورتها التي نحبها، وأن تعود إليها ضحكات المسافرين، ودفء المقاهي، وحكايات الذين يأتونها بحثاً عن شيء لا يُشترى ولا يُحجز... شيء اسمه لبنان.
فبعض المدن لا تستعيد زوارها فقط، بل تستعيد معهم جزءاً من روحها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة