الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مأزق واشنطن بين «التفاهم» و«اتفاق الإطار»

3 يوليو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 3 يوليو 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
وقّعت الولايات المتحدة مع إيران «مذكرة تفاهم» لإنهاء الحرب الايرانية. الاتفاق وقّعه الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيرانى مسعود بزشكيان، وبعد تسعة أيام جرى توقيع «اتفاق إطار» بين كل من لبنان وإسرائيل في ختام الجولة الخامسة من المفاوضات التي جرت في واشنطن بوساطة أمريكية. اللافت في الأمر أن الاتفاقين تضمنا 14 بنداً لكل منهما. ربما تكون المصادفة وحدها وراء هذه المفارقة، لكن هناك ما هو أهم، وفقاً لملاحظة دقيقة طرحها يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية من باب المشاكسة مع غريمه بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، للنيل من هذه الاتفاقية، واعتبارها انتكاسة وليست «انتصاراً تاريخياً» لإسرائيل، وفق ما يروّج له نتنياهو.
وإذا كانت «مذكرة التفاهم» بين إيران والولايات المتحدة قد شهدت انقسامات داخلية أمريكية، بين مؤيدين ومعارضين، ضمن الصراع الداخلي الأمريكي، فإن «اتفاق الإطار» الإسرائيلي - اللبناني، شهد انقساماً حاداً داخل لبنان من شأنه أن يُفشل نجاح الاتفاق، أو أن يكون سبباً لتفجير صراع داخلي لبناني، وهذا الانقسام على هذا الاتفاق كان موجوداً أيضاً داخل إسرائيل، ولكن بدرجة أقل حدة.
لابيد يرى أن ما تضمنه الاتفاق الإيراني الأمريكي سيفرغ الاتفاق الثاني من مضمونه، لأنه، وفق بنوده، يتضمن: تسهيلات اقتصادية أمريكية واسعة.. إذ تتعهد الولايات المتحدة باصدار إعفاءات تسمح بتصدير النفط الايراني والخدمات المرتبطة به، بما في ذلك الخدمات المصرفية ​والتأمين والنقل، ويستنتج لابيد من ذلك أن الأموال الإيرانية المجمدة متاحة للاستخدام، وأن الاتفاق مع إيران لا يتضمن بنداً عملياً صريحاً يمنع استخدامها للتسهيلات الاقتصادية في تمويل حزب الله، «أو تسليحه أو إعادة بنائه»، وهنا بالتحديد، وفق فهم لابيد، تكمن «المفارقة»، أو «المأزق». فإذا كان الاتفاق الإسرائيلي اللبناني «يحاول إغلاق صنبور التمويل المحلي لحزب الله»، فإن الاتفاق مع إيران «يفتح الصنبور الاقتصادي»، ما يعني أن المال الإيراني سوف يستمر في التدفق إلى حزب الله، وهنا يكمن الخطر على الاتفاق الإسرائيلي اللبناني الأمريكي، من وجهة نظر لابيد الذي اعتقد أنه بكشف هذه المفارقة بين الاتفاقين، على الرغم من أنها ليست المفارقة الوحيدة، بل هناك ما هو أهم، فإن نتنياهو ومعه وزير الحرب إسرائيل كاتس حاولا القفز على كل هذه الانتقادات بالتركيز على ما هو أهم.
فإذا كانت «مذكرة التفاهم الإيرانية ​الأمريكية قد تضمنت مخرجاً جديداً لتمويل إيران لحزب الله، وأنه، علاوة على ذلك، قد ربط بين الساحة الإيرانية والساحة اللبنانية، عندما اشترط ربط وقف الحرب على الساحة الايرانية بوقفها على الساحة اللبنانية، ما يعنى اعترافاً أمريكياً، ولو ضمنياً، بدور إيراني في لبنان، فإن نتنياهو يرى أن الاتفاق الإسرائيلي اللبناني الأمريكي قد نسف هذا كله، إذ يرى أن توقيع الاتفاق الإطاري مع لبنان، وما قد يقود إليه من «اتفاق سلام إسرائيلي – لبناني»، قد أنهى كل تطلّع إيراني في لبنان، كما يرى نتنياهو أن الاتفاق مع لبنان قد ربط بين الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وبين النزع الكامل لسلاح «حزب الله»، وإنهاء كل دور أمني للحزب، أو بالأحرى فرض «تصفية فعلية» للحزب، كشرط لأيّ انسحاب إسرائيلي، أي أن الانسحاب الإسرائيلي مشروط بالقضاء نهائياً على «حزب الله»، ومن ثم وضع «نهاية مؤكدة» ل«خيار المقاومة»، وعزل إيران عن أي فرصة لخلق نفوذ يهدد الأمن الإسرائيلي، ولعل هذا يفسر ما أكده نتنياهو من أن اتفاق الإطار مع لبنان «انتصار تاريخي لإسرائيل»، لأنه سيضع، في حال نجاحه، فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، ويربط بين الانسحاب الإسرائيلي وبين نزع سلاح «حزب الله».
نتنياهو، بهذا الفهم، يعتقد أنه أعفى واشنطن من «المأزق» الذي اعتقد لابيد أنها باتت أسيرة له، وهذا ما حاول تأكيده، بصورة أخرى، يسرائيل كاتس بتأكيده أن اتفاق الإطار الموقع مع بيروت يمثل «حدثاً تاريخياً، وإنجازاً سياسياً وأمنياً لدولة إسرائيل»، وأنه «قد يرسم، للمرة الأولى منذ عقود، واقعاً أمنياً جديداً، وأكثر استقراراً على الحدود الشمالية وفي لبنان».
الولايات المتحدة، تجاهلت فرضية وجود «مأزق»، وأسرعت بالتحرك العملي لتحريك إنجاز آلية لتنفيذ الملحق الأمني لاتفاق الإطار مع لبنان، بالزيارة التي قام بها إلى بيروت الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية في الجيش الأمريكي، والتقى خلالها الرئيس اللبناني جوزيف عون، للبحث في تفاصيل الملحق الأمني المرفق بالاتفاق الإطاري، الذي من المقرر أن يضع معالم وحدود المناطق التجريبية التي من المقرر أن تبدأ القوات الإسرائيلية الانسحاب منها. لكن سيبقى السؤال معلقاً، ومن دون إجابة: هل في مقدور واشنطن تحويل الاتفاق الإطاري مع لبنان من طموح إلى واقع، في ظل الانقسام الحاد داخل لبنان على هذا الاتفاق، وإصرار «حزب الله» على إسقاطه؟

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة