ما رأيك في أن العالم العربي، ظلّ منذ خمسة عشر قرناً، رافضاً طلب العلم، ولو في الصين؟ الأدهى هو أن المسائل تجاوزت طلب العلم، دَرَك الإدراك هو أن الأمر صار قضية الإحساس بالهويّة. دعك من الضمير، فهو منذ طلائع النحاة، دائماً مستتر، مضمر، مقدّر. أمّا ما تشرئب إلى رؤية طلعته القلوب والأفهام، فهو هجمة مرتدّة لهجرة العقول العربية، الهجرة المعاكسة، بتوهج الحنين إلى الأوطان.
قبل أشهر أشاد القلم بصينيّ عالم رياضيات كبير، في إحدى أهمّ الجامعات الأمريكية. بعد ثلاثة عقود، في الولايات المتحدة، قرر الرجوع إلى الصين، للالتحاق بجامعة مرموقة في شانغهاي.كفاه فخراً قوله: «لبّيتُ نداء الوطن». مقولة، انقُشها على دماغك بخلايا عصبية من نور. ليت العلماء العرب في بلاد الاغتراب الغربية يسمعون ويعون، فلا يمنعون عن شعوبهم الماعون.
في الرابع من يوليو، نشر موقع «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، مقالاً عنوانه:«عالمة علم الأعصاب الحيوي،كابتن التيكواندو سابقاً، شيه بينغ سو، تغادر الولايات المتحدة إلى الصين». البروفسورة المتألقة، شغلت سنوات منصب نائبة عميد كلية العلوم العصبية في جامعة كاليفورنيا، في سان دييغو. متخصصة في بحوث الشمّ، عبر دراسة ذباب الفواكه والبعوض. مختبرها يدرس معالجة الخلايا العصبية المستقبِلة، في حاسة الشمّ، معلومات الشمّ، لأن هذه الخلايا، لدى تلك الحشرات، تشكّل المصدر الرئيسي للمعلومات عبر الحواس.
الطريف أن العالمة السيّافة، شهرت سيف موقفها على هدفين.لقد رأت أن خدمة من يناصب العداء لهويتها وجذورها، ليس شرفاً، مهما تكن عائداتها ومنافعها. بل إن ذلك يُشعر المرء بضآلة كتلة الدماغ. ثمّ إنها تايوانية، لكنها آثرت الرجوع إلى الصين التاريخيّة، فانضمّت إلى أكاديمية العلوم الطبيّة في شن زن. أمامها مسيرة طويلة، فهي في الخامسة والأربعين.
أمّا الأطرف، فهو أنه ليس مستغرباً أن تكون العالمة المتخصصة في حاسة الشم لدى ذباب الفواكه، ذات شمّ سياسيّ في مستقبل العلوم، أبعد ممّا تشتمّه من الغيب زرقاء اليمامة. يكفي أن تضع العقول العربية المهاجرة، قضيةً واحدةً في الحسبان، هي أن التنميات العربية المتعثرة، ستنهض من كل عثار وانحدار وانهيار، حين تنار بمصابيحهم الديار.
لزوم ما يلزم: النتيجة المقلوبية: الخطأ أن يقول العقل المهاجر: ما مصيري لو لم أهاجر؟ الصواب القول: هجرة العقول إفقار للأوطان.
