هل تتصوّر أن القلم يقامر بمزاح كهذا؟ على السياسة أن تضع نصب عينيها النظم البيولوجية، في التخطيط والتحليل، في قضايا الأمن القومي. الهدف لدى من يريد استهدافك، هو أن يضرب جهاز مناعتك في مقتل، حتى وإن طال المدى، منذ 1917 مثلاً. هل كانت أدمغة البحث العلمي الاستشرافي، تتخيّل أن شخصاً يعد أشخاصاً ببيت يقيهم الحرّ والقرّ، وإذا بشهيّتهم تنفتح لابتلاع كل الإقليم المحيط بتلك الدار؟ ذلك هيّن عن طريق ضرب جهاز المناعة، عندما يصل الجسم إلى حالة: «مَا لجرح بميّت إيلامُ».
موضوعنا فقدان الشهيّة، وعندما تنظر إليه من مرصد السياسة، يغدو في العناصر الحساسة من التغذية، القضية الأولى والأخيرة. تخيّل أمّةً تفقد الشهية إلى النهوض والتجدّد، حين تصل شحنة الإرادة والطموح إلى الصفر. بتعبير ميخائيل نعيمة: «أم قد هرمت وخار عزمك فانثنيت عن المسير»؟ ما الذي تنتظره من جسم يمتنع تلقائياً، كأنما اعتراه الجفاء والصدود، عن مقاربة مصادر البروتينات والفيتامينات والكربوهيدرات والدهون الصحية. على الضفة الأخرى: ما الذي تتوقعه من أمّة فقدت الشهية في محو الأمية، تطوير التعليم، تشييد مراكز البحث العلمي، وصدّت عن العلوم والمعارف والفنون الرفيعة، فلم يعد يغريها ارتياد فضاءات علوم الكون ولا علوم الأرض وفيزياء الكمّ، ولا الابتكار في إنتاج العلوم ولا الإبداع في فراديس الفن؟ هل بدا لك المشهد غريباً؟ لا تنقّب بعيداً، فكل تلك المآسي بؤرتها واحدة، لقد هجرت الأمة الفكر والفلسفة.
التداعيات أكثر من أن تُعدّ. سوء حظ الأمّة العربية، أن ثرواتها لا حصر لها، سطحيةً وجوفية. حتى ذو الذكاء المتدني بلا حدود، لا يفوته أن تلك الكنوز التي هي هبات إلهية، تُسيل لعاب الطامعين أضعاف مياه الميسيسيبي، فيحتدمون نحوها ظامئين. في هذه الأوضاع المزلزلة، لا حلّ إلّا أن يكون للأمة دستور، موادّه شرّعها عمرو بن كلثوم وعنترة والمتنبي وأبو تمام، لتكون «قدّ المقام». لا جدوى من مناعة أبوابها مخلّعة. هل يمكن أن يعالج الطبيب متناثرات المناعة المتداعية، بمكمّلات غذائية وتمائم؟
لزوم ما يلزم: النتيجة اليقينيّة: إذا انصرف ذهنك إلى أن القلم يهمس في أذن الجامعة العربية: من فضلكِ لا تنسي هذه الأمور، فهو من التهمة براء.
