الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

محمد بن زايد.. فنجان قهوة في الكويت

10 يوليو 2026 00:50 صباحًا | آخر تحديث: 10 يوليو 00:52 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في الخليج، يقاس فنجان القهوة بمقدار ما يحمله من معانٍ، فهو ليس مجرد عادة اجتماعية أو طقس ضيافة، بل لغة كاملة من الود، ورسالة صامتة تقول إن الوصل قائم، وإن الأخ حاضر قبل أن يُطلب حضوره.
ولعل هذا ما يخطر في بال من يتأمل زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، حفظه الله، إلى دولة الكويت بالأمس، فقد يخيل لمن يتابع تفاصيلها، أن سموه ذهب إلى الكويت، دار الأخوّة والكرم والجود، للقاء أخيه الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، للسلام عليه، وليشرب قهوته مع سموه، ثم يعود إلى أبوظبي.
بالطبع، لم تكن الزيارة كذلك بالمعنى الحرفي، لكنها في رمزيتها كانت أقرب ما تكون إلى هذا المعنى، فالزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بينما تواجه الكويت استمرار الاعتداءات الإيرانية، وما تفرضه من تحديات أمنية، وفي وقت تعيش فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، وكان بإمكان الشيخ محمد بن زايد أن يكتفي باتصال هاتفي، أو برسالة تضامن، أو بالبيان الرسمي الذي أصدرته الدولة، لكنه اختار أن تكون الرسالة مختلفة.. الحضور شخصياً.
وكانت الزيارة، التي استغرقت ساعات معدودة قبل أن يعود سموه إلى دولة الإمارات، رسالة بحد ذاتها، ففي السياسة ليست قيمة الزيارة دائماً في طولها، وإنما في توقيتها، وفي ما تحمله من دلالات.
‏وما يعطي الزيارة قيمة مضافة ودلالة أكبر على مكانة الكويت لدى الإمارات هو الوفد رفيع المستوى الذي رافق سموه، والذي ضم سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، وسمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وسمو الشيخ حمدان بن محمد بن زايد آل نهيان نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون الخاصة، والشيخ محمد بن حمد بن طحنون آل نهيان مستشار صاحب السمو رئيس الدولة، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين.
هذه ليست مجرد زيارة أخوية بين قيادتين تجمعهما علاقات تاريخية راسخة، وإنما رسالة واضحة بأن أمن الكويت ليس شأناً كويتياً فحسب، بل هو جزء لا يتجزأ من أمن الإمارات وأمن الخليج كله، وأن التضامن بين دول مجلس التعاون لا يقاس بما يقال في البيانات، وإنما بما يترجم إلى مواقف.
ومن يعرف الشيخ محمد بن زايد، يدرك أن الوقوف إلى جانب الأشقاء ليس موقفاً يرتبط بالأزمات وحدها، ولا سلوكاً تمليه الظروف، بل نهج سياسي ثابت.. فقد رسَّخ سموه، على امتداد سنوات، مفهوماً يقوم على أن العلاقات الحقيقية يتم اختبارها في الأوقات الصعبة، وأن قيمة الأخوة تظهر عندما تشتد التحديات.
ومن هنا يمكن قراءة الزيارة على أكثر من مستوى، فهي أولاً، رسالة تضامن مباشرة مع الكويت، قيادة وشعباً، تؤكد أن الإمارات تقف إلى جانبها في هذه المرحلة الدقيقة.. وثانياً، تأكيد أن التشاور المباشر بين قادة مجلس التعاون الخليجي يظل الركيزة الأهم في إدارة الأزمات، وأن اللقاءات الشخصية بين القادة تبقى أكثر قدرة على بناء الثقة وتوحيد المواقف في مواجهة المتغيرات المتسارعة.
وثالثاً، تجدد تأكيد خصوصية العلاقات الإماراتية الكويتية، وهي علاقات لم يتم بناؤها على المصالح العابرة، وإنما على تاريخ طويل من الثقة والاحترام والتنسيق، جعلها واحدة من أكثر العلاقات الخليجية رسوخاً واستقراراً، أما رابعاً، فهي تحمل رسالة إلى الخارج قبل الداخل، مفادها أن أمن الخليج لا يتجزأ، وأن أي محاولة للمساس بأمن دولة خليجية لن تقرأ باعتبارها شأناً يخصها وحدها، بل باعتبارها قضية تمس المنظومة الخليجية بأسرها.
ومع نهاية الزيارة، قد يبحث البعض عن اتفاقيات جديدة، أو بيانات مشتركة، أو نتائج اقتصادية مباشرة، لكن قيمة هذه الزيارة تكمن، قبل كل شيء، في رمزيتها، فهي تقول إن التضامن الحقيقي لا ينتظر المناسبات، وإن الأخ لا يرسل رسائله من بعيد عندما يشعر أن أخاه يحتاج إليه.
فهذه الزيارة التي لم تستغرق سوى ساعات، حملت من الرسائل ما لا تحمله زيارات تمتد أياماً.. فحين يقصد الأخ أخاه في زمن التحديات، يكون الهدف تأكيد أن الأبواب ستظل مفتوحة، وأن الوصل باقٍ مهما اشتدت الظروف، وربما لهذا بدت زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى الكويت ولقاؤه أميرها الشيخ مشعل الأحمد وكأنها لقاء لشرب فنجان قهوة.. لكن التاريخ سيذكرها باعتبارها موقفاً جسَّد المعنى الحقيقي للأخوة والتعاضد.
كاتب صحفي

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة