من أهم المميزات التي نعيشها في هذا العصر، التطورات التقنية والخدمات الإلكترونية المتعددة والمتنوعة، والتي سهلت مختلف جوانب الحياة، ومن بين تلك الخدمات التسوق الإلكتروني، والذي معه لم تعد هناك حاجة للذهاب إلى السوق. وتبَعاً لهذا التطور الإلكتروني، الذي سحب الكثير من الناس، سعت مراكز التسوق لتوسيع خدماتها لتحافظ على مرتاديها وزبائنها، لذا نجد أن مفهوم التسوق نفسه توسع، وباتت هناك خدمات أخرى متنوعة داخل مظلة السوق نفسه، مثل الترفيه، من صالات السينما إلى الألعاب، ونحوها. أيضاً نجد عيادات طبية متنوعة، ولا ننسى صالات ممارسة الرياضة، أيضاً في البعض من المراكز نجد خدمات اجتماعية ثقافية، ومكاتب لتسهيل الأعمال ونحوها.
وكما هو واضح، فإن السوق لم يعد محصوراً في التبضع والشراء للسلع، بل هو نفسه توسع في مهامه أمام توسع التسوق الإلكتروني وتطبيقات المتاجر.
والحقيقة أن الأسواق والمراكز التجارية، لو لم تدخل خدمات جديدة، وتزد في فعاليتها الاجتماعية، فإنها ستكون أثراً بعد عين. لا أحد يخطئ ما أنتجته خدمات التوصيل، وانتشار التطبيقات التي من خلالها يتم الشراء، وطلب البضائع والسلع المرغوبة، دون الحاجة للتوجه إلى السوق، ودون عناء الخروج من المنزل. لذا، من البديهي أن تسحب المتاجر الإلكترونية وتطبيقات التوصيل والشراء شريحة واسعة من الناس، لكن تمت تغطية هذا العزوف، بفكرة ذكية وحزم من الخدمات التي تتوسع يومياً، والتي معها باتت الأسواق وكأنها منتزهات ومكان للفسحة والتنزه. لكن أيضاً ظهرت ثقافة أخرى، معها تزايد الخيارات وتنوعها، من تطبيقات المطاعم إلى المتاجر الإلكترونية، حيث كل سلعة تحتاج إليها أو غرض ترغب بشرائه أو طعام تريد تناوله، تجد عشرات العشرات من الخيارات الأخرى. لم يعد للمكان وجود، ولم يعد السوق المحدد بالبضائع هو الخيار الوحيد، بل أمامك قوائم متنوعة من كل مكان، وما عليك إلا الاختيار.
ولعل هذه الحالة سببت خللاً في القدرة على الاستمتاع بما هو متاح، وبات هناك هاجس البحث عن الأكثر جودة بأقل سعر، ولا ننسى العروض المتعددة التي تجعل البعض يتوجه لشراء سلع هي متوفرة لديه، وهناك السلع المقلدة أو الأقل جودة، وجميعها يتم شراؤها من خلال صور أو مقاطع تعرض أمام المستهلك. كما هو معروف، فإن السوق كمكان تطور، وتطورت خدماته، في مواجهة المتاجر الإلكترونية، لكن هل تطور مفهوم وثقافة الإنسان في مواجهة الوفرة؟
