الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لعنة المضيق.. بين الصديق والخصم

15 يوليو 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 15 يوليو 00:02 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يعود مضيق هرمز إلى الواجهة كلما ارتجّت المنطقة، وكأنه ممرّ لا يعرف السكون، يهدأ فقط ليعود ويشتعل من جديد. فهو الشريان الذي يمدّ العالم بالطاقة، لكنه في الوقت نفسه يورث القلق ويكشف هشاشة الأمن الإقليمي والدولي.
وما شهدناه في الأشهر الأخيرة من توترات وضربات متبادلة لم يكن خروجاً عن المألوف، بل امتداداً لسجل طويل جعل من المضيق نعمة اقتصادية ولعنة استراتيجية على الصديق والخصم معاً. وحتى اليوم، ومع اقتراب واشنطن وطهران من تفاهم هش لاحتواء التصعيد، يبقى المضيق المقياس الأصدق لميزان الاستقرار.
قبل أن يتحوّل المضيق إلى ممرّ لناقلات النفط، كان بوابة الخليج ومسرحاً للتنافس الإمبراطوري. فمنذ القرون الأولى للملاحة، شكّل هرمز نقطة تحكّم في التجارة البحرية بين الهند وشرق إفريقيا وبلاد فارس والعراق. وكان ساحة صراع بين قوى كبرى أدركت أن السيطرة عليه تعني السيطرة على اقتصاد المنطقة. وفي زمن لم تكن فيه السيادة البحرية مرتبطة بالقانون، بل بمدى قوة الأساطيل، وجد العرب -رغم امتداد سواحلهم شرقاً وغرباً- أنفسهم عاجزين عن فرض سيطرة كاملة على المضيق عبر معظم التاريخ.
لم يكن هذا الفراغ البحري العربي نتيجة ضعف، بل نتيجة طبيعة النظام الدولي القديم الذي كانت البحار فيه تُحكم بالمدافع لا بالجغرافيا. فالساحل الشمالي بقي تحت النفوذ الفارسي من الأخمينيين حتى الساسانيين. ثم جاء البرتغاليون ليستولوا على هرمز عام 1507، قبل أن يرث البريطانيون الهيمنة البحرية تحت شعار حماية الطريق إلى الهند. وهكذا ظل المضيق خارج السيطرة العربية المباشرة، فيما كانت السواحل العربية تراقب السفن التي تمرّ دون قدرة على تنظيمها. ومع ذلك، شهد الخليج لحظات عربية نادرة استطاعت فيها قوى محلية أن تفرض حضورها في معادلة المضيق. ففي العصر اليعربي، برزت عُمان قوة بحرية صاعدة، طردت البرتغاليين من مسقط ثم من شرق إفريقيا، وبنت أسطولاً قادراً على تأمين مدخل الخليج. وفي عهد البوسعيديين بلغ النفوذ العُماني ذروته، ممتداً من بندر عباس إلى زنجبار، لتصبح عُمان القوة العربية الوحيدة القادرة على التأثير في حركة الملاحة نحو المضيق، وإن بقيت السيطرة الكاملة عصيّة بفعل النفوذ الفارسي والحضور الأوروبي.
وفي موازاة ذلك، لعب القواسم دوراً مهماً في تعزيز القوة البحرية العربية، خصوصاً في مواجهة التوسع البرتغالي والبريطاني. ورغم أن تحالفهم مع اليعاربة لم يتحوّل إلى سيطرة مباشرة على المضيق، فإنه أسهم في تأمين طرق الملاحة وإضعاف النفوذ الأوروبي وخلق توازن بحري عربي في الخليج في زمن كانت البحار تُحكم فيه بالأساطيل لا بالخرائط.
ومع مطلع القرن العشرين تغيّر المشهد جذرياً. فقد نشأت دول الخليج الحديثة، وتطورت قدراتها العسكرية، وبدأ القانون الدولي يربط بين السيادة الساحلية والسيادة البحرية.
ومع اكتشاف النفط، تحوّل المضيق من طريق تجاري تقليدي إلى شريان طاقة عالمي يمرّ عبره نحو ثلث النفط المنقول بحراً. وأصبحت السيطرة عليه مسألة أمن دولي تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى من الولايات المتحدة إلى أوروبا والصين.
وفي خضم هذا التحوّل، أعادت إيران مؤخراً طرح فكرة فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، بحثاً عن مكاسب سياسية واقتصادية خارج الأطر القانونية. لكن هذا السلوك ليس جديداً، فقد حاول البرتغاليون في القرن السادس عشر تحويل هرمز إلى محطة جباية عبر نظام «الكرتاز» وفرض رسوم مرور.
وقد توحّدت القوى الإقليمية والدولية -وفي مقدمتها العمانيون والبريطانيون- ضد هذا النهج، منهيةً الوجود البرتغالي في الخليج. ويذكّرنا هذا الدرس بأن المضيق، مهما حاولت بعض الدول توظيفه اقتصادياً أو سياسياً، يبقى ممراً دولياً تحكمه قواعد واضحة، أهمها مبدأ «المرور العابر غير المقيّد»، ولا يحق لأي دولة احتكاره أو فرض رسوم أحادية عليه.
اليوم، ومع سعي واشنطن وطهران إلى تثبيت تهدئة تمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، يكشف المضيق عن مفارقته الدائمة: الممر الذي تعتمد عليه الدول هو ذاته الممر الذي تخشاه.  فهرمز لم يكن يوماً مجرد ممر مائي، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها المصالح، وتتواجه القوى، ويُختبر فيها ميزان الاستقرار الإقليمي.
في الأسابيع الماضية، عاد التوتر ليطلّ برأسه مع:
- زيادة عمليات الاحتجاز والتحرش البحري بين القوات الإيرانية والسفن التجارية.
- تعزيز الوجود البحري الأمريكي والبريطاني عبر إرسال قطع إضافية لحماية الملاحة.
- ارتفاع وتيرة الهجمات بالطائرات المسيّرة في محيط الخليج، ما أعاد المخاوف من توسّع دائرة الاشتباك.
وهكذا يبقى مضيق هرمز لعنة على الخصم الذي لا يستطيع تجاوزه، ولعنة على الصديق الذي لا يستطيع الاستغناء عنه. وبين هاتين الحقيقتين، يواصل المضيق أداء دوره التاريخي: بوابة الخليج، وساحة التنافس، ومرآة التحولات التي لا تهدأ.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة