في مقالات سابقة تناولتُ فيها مفهوم الأمن الوطني، أوضحتُ أن الاستدامة لم تعد بنداً تنموياً منفصلاً، بل أصبحت ركيزة أساسية من ركائز الأمن الحديث. واليوم، ومع تسارع التحولات الإقليمية، يتأكد أن الاستدامة ليست جزءاً من الأمن فحسب، بل هي العنوان الذي ينبغي أن يُعاد من خلاله تعريف الأمن الإقليمي ذاته.
لقد أشرتُ سابقاً إلى أن الأمن لا يُقاس فقط بقدرة الدول على الردع، بل بقدرتها على الاستمرار. وفي عالم تتشابك فيه الأزمات - من تقلبات الطاقة إلى هشاشة سلاسل الإمداد، ومن التغير المناخي إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية - يصبح هذا المبدأ أكثر وضوحاً وضرورة. فالأمن الإقليمي لم يعد محصوراً في التوازنات العسكرية أو التحالفات التقليدية، بل بات مرتبطاً بقدرة الدول على بناء منظومات مستدامة قادرة على الصمود طويلاً.
إن الدول التي لا تمتلك اقتصاداً مستداماً، أو مجتمعاً قادراً على امتصاص الصدمات، أو تعليماً ينتج المعرفة، أو منظومة صحية تحمي الإنسان، تصبح أكثر عرضة للاضطراب مهما بلغت قوتها العسكرية. وهنا تتجلى الفكرة التي طرحتها: إن الأمن المستدام هو أمن يتجاوز السلاح، ويستند إلى قدرة الدولة على الصمود طويلاً، لا إلى قوة اللحظة.
وقد كشفت التطورات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة - بما حملته من توتر وتهديدات وتداعيات اقتصادية وأمنية - عن أن الأمن الإقليمي لم يعد قادراً على الاعتماد على المقاربات التقليدية وحدها. فقد تأثرت الدول المجاورة عبر أسواق الطاقة وحركة التجارة والمخاطر الجيوسياسية، ما أكد أن هشاشة الاستدامة في أي دولة يمكن أن تمتد آثارها إلى محيطها.
وفي هذا السياق، تبرز استدامة الأمن الإقليمي بوصفها الإطار الأكثر واقعية للتعامل مع التحديات العابرة للحدود، وفي مقدمتها أمن الطاقة والغذاء والمياه. فقد أظهرت التوترات في مضيق هرمز أن الاعتماد على ممر واحد يرفع هشاشة الإقليم بأكمله، ما دفع دول المنطقة إلى تطوير بدائل ومسارات أكثر مرونة، وهو ما يعكس جوهر الأمن المستدام.
وفي السياق نفسه، يبرز الأمن الغذائي الإقليمي بوصفه تحدياً مشتركاً، إذ تستورد دول الشرق الأوسط ما يقارب 85% من احتياجاتها الغذائية وفق بيانات منظمة الفاو، ما يجعل التعاون في سلاسل الإمداد والاستثمار الزراعي الخارجي ضرورة أمنية لا تنموية فقط. أما الأمن المائي، فيُعدّ أحد أكثر الملفات حساسية، حيث يعيش نحو 60% من سكان المنطقة ضمن أحواض مائية مشتركة عابرة للحدود، بينما تُصنّف المنطقة ضمن أكثر مناطق العالم ندرة للمياه مع متوسط موارد متجددة لا يتجاوز 500 متر مكعب للفرد سنوياً مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 5,000 متر مكعب. إن هذه المؤشرات تؤكد أن استدامة الأمن الإقليمي لا تُبنى على الردع وحده، بل على قدرة دول المنطقة على تطوير منظومات مشتركة للطاقة والغذاء والمياه، بما يعزز الصمود الجماعي ويمنح الإقليم قدرة أكبر على تجاوز الأزمات المتكررة.
وفي خضم هذه التوترات، برزت دولة الإمارات بوصفها الأكثر استدامة في الإقليم، ليس فقط من حيث تنويع اقتصادها أو تطوير بنيتها التشريعية، بل من حيث قدرتها على بناء منظومة متكاملة من المرونة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الدول التي تمتلك رؤية استباقية - مثل الإمارات - كانت الأكثر قدرة على حماية مصالحها، واستمرار عمل مؤسساتها، والحفاظ على استقرارها الداخلي رغم الاضطرابات المحيطة. إن نموذج الإمارات في الاستدامة لم يعد تجربة وطنية فحسب، بل أصبح مرجعاً إقليمياً يُظهر أن الأمن الحقيقي يبدأ من الداخل. وتتداخل عناصر القوة المستدامة في منظومة واحدة تشمل* استدامة المجتمع - تماسك اجتماعي وقدرة على التكيف* استدامة الاقتصاد - تنويع ومرونة واستقلالية استراتيجية* استدامة السياسة - مؤسسات مستقرة وثقة عامة* استدامة التعليم - إنتاج معرفة وبناء كفاءات* استدامة الصحة - حماية الإنسان وضمان جودة الحياة.* القيادة المستدامة - رؤية تستشرف المستقبل وتحوّل الاستدامة إلى ممارسة يومية* الأمن المستدام - قدرة طويلة المدى على الصمود والتجدد.
إن إضافة عنصر القيادة هنا ليست تفصيلاً، بل هي جوهر الفكرة. فالقيادة هي التي تُحوّل الاستدامة من خطط إلى واقع، ومن مبادرات إلى منظومة، ومن أهداف إلى قوة وطنية وإقليمية.
وفي هذا السياق، تبدو الاستدامة اليوم العنوان الأكثر تعبيراً عن مستقبل الأمن الإقليمي. فهي ليست امتداداً لمفهوم الأمن التقليدي فحسب، بل إطار يعيد تشكيله ويمنحه عمقه الاستراتيجي. إن الاستدامة لم تعد خياراً تنموياً، بل أصبحت جزءاً من هندسة الأمن الوطني الحديث.
واليوم، يتأكد أن هذا المفهوم لا يقتصر على الأمن الوطني، بل يتسع ليشمل الأمن الإقليمي بأكمله. فاستدامة المجتمعات واقتصاداتها وسياساتها وتعليمها وصحتها وقيادتها ليست عناصر مساندة، بل هي قوة مستدامة تمنح الدول قدرة على الصمود، وتمنح الإقليم قدرة على الاستقرار، وتمنح المستقبل إطاراً يمكن البناء عليه بثقة ووعي ومسؤولية.
