قبل فترة، التقيت بأحد الأشخاص وجلسنا نتحدث، لاحظت أن معظم حديثه كان عن أشياء انتهت منذ زمن، يقول إنه لو حصلت له لتغيرت حياته كلها. لم يكن يتحدث عن الحاضر، بل كان يعيش في الماضي، كأن السنوات التي مرت لم تستطع أن تخرجه من ذلك الباب الذي أُغلق يوماً. وأنا أستمع إليه، خطر في بالي سؤال بسيط، كم باباً مغلقاً ما زلنا نقف أمامه، ونحن نظن أن المشكلة في الباب، بينما المشكلة أننا لم نغادره؟
الحياة مليئة بالأبواب، ندخل مدرسة ونغلق بابها، ونتخرج فنغلق باباً آخر، وننتقل من وظيفة إلى أخرى، ومن مرحلة عمرية إلى مرحلة جديدة وهكذا، لكن بعضنا يرفض أن يغلق الباب من داخله، يبقى ينظر إلى الوراء، ويقارن كل ما يعيشه اليوم بما فقده بالأمس، وإذا جلس مع الناس عاد إلى القصة نفسها، حتى يصبح الماضي مكاناً يسكنه، لا ذكرى يتعلم منها.
الغريب أن الإنسان أحياناً لا يشتاق إلى الشيء نفسه، بل إلى الصورة التي رسمها له في ذاكرته، فالوظيفة التي يحن إليها كانت مليئة بالمشكلات، والعلاقة التي يتمنى عودتها كانت تستنزفه، والمرحلة التي يصفها بأجمل أيام العمر كان يتمنى الخروج منها وهو يعيشها، لكن الذاكرة لا تحفظ الحقيقة كاملة، بل تحفظ ما يناسب مشاعرنا.
والأصعب أن بعض الناس لا يكتفون بالوقوف أمام الباب المغلق، بل يحملونه معهم أينما ذهبوا، يدخلون وظيفة جديدة بعقلية الوظيفة القديمة، ويبدأون علاقة وهم يقارنونها بعلاقة انتهت، وهنا لا تكون المشكلة في الحياة، بل في الإنسان الذي لم يمنح نفسه الإذن ليبدأ من جديد.
تعلمت مع الوقت أنه ليس كل باب مغلق خسارة، بعض الأبواب لو فتحت من جديد، لأعدنا الأخطاء نفسها، وربما خسرنا أكثر مما خسرناه في المرة الأولى، ولذلك، ليست الشجاعة أن تظل تطرق الباب نفسه، بل أن تعترف بأنه انتهى، ثم تلتفت لتبحث عن باب آخر، فالحياة لا تتوقف عند باب واحد، لكن الإنسان هو من يوقفها عندما يقضي عمره واقفاً أمامه.
ومن علامات النضج أن نتوقف عن سؤال أنفسنا ماذا لو؟، ماذا لو بقيت في تلك الوظيفة؟ ماذا لو لم أتخذ ذلك القرار؟ ماذا لو لم تنتهِ تلك العلاقة؟ هذه الأسئلة لا تغيّر الماضي، لكنها تسرق الحاضر، فالإنسان لا يعيش مرتين، وعليه أن يصنع أفضل ما يمكن من الطريق الذي يسير فيه، لا من الطريق الذي لم يعد موجوداً.
أحياناً، يكون ما أنقذ حياتنا باب لم يفتح، وباب آخر أُغلق إلى الأبد، فليست كل الأبواب أُغلقت خسارة، فبعضها أُغلق رحمة، حتى لا نقضي أعمارنا أسرى لما انتهى.
