لطالما ظلت العلاقات اللبنانية الأمريكية موضع شد وجذب، كما اتسامها بحساسية مفرطة في بعض الأوقات، جراء تداخل العديد من القضايا الإقليمية في رسم طبيعة العلاقة وحدودها، وهي تتقلب وتتغير مع طبيعة التحالفات التي سادت المنطقة، وعلى الرغم من وجود العديد من العوامل الحاكمة لحدود العلاقة، تبقى واشنطن الوجهة التي يصعب على لبنان تجاهلها، أو تجاوزها. وبصرف النظر عن طبيعة المؤثرات يبقى لبنان مضطراً للتعامل مع واشنطن كدولة مؤثرة ليس في لبنان، بل في مجمل دول المنطقة، وما يؤثر فيها من قضايا.
وتأتي زيارة الرئيس جوزيف عون في 21 يوليو/ تموز، الجاري إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، محط أنظار العديد من المهتمين والمتابعين، فهي تأتي في ظروف بالغة الحساسية، لجهة الصراعات القائمة في المنطقة والتي تبدو على صلة وثيقة بالواقع اللبناني، وما يرسم له، فلبنان دخل في حربَي إسناد الأولى في حرب إسرائيل وغزة، والثانية في حرب إيران والولايات المتحدة، وفي كلتا الحربين بدا لبنان ساحة تدخلات لأطراف تجاذبت بقوة، عليه وفيه، وبدا بوضوح أنه غير قادر على الاستفادة من هذا الواقع، بل عكس ذلك، بدا في أضعف الصور التي مرت عليه في عهود سابقة.
ثمة أبعاد وخلفيات يتسم فيها لقاء القمة، وهي تبدو من وجهة النظر اللبنانية مناسبة لاستثمار ما وصلت إليه الأمور، لجهة طرح الأولويات التي يتمسك بها الحكم، والتي يعتبرها مناسبة لترسيخ نقاط يعتبرها بداية قيام لبنان على أسس مغايرة للتي سبقت، خلال الخمسين سنة الماضية، وأبرزها فرض سلطة الدولة من دون منازع، وفرض سيادة الدولة والتحكم في قرارات الحرب والسلم، وإيجاد الحلول القابلة للتطبيق والتنفيذ ما يتصل بالسلاح غير الخاضع لمنطق الدولة.
وثمة خلفيات وأبعاد يمكن أن تسهم في إعادة هيكلة الواقع اللبناني، من بينها، أن الدعوة الأمريكية جاءت مباشرة بعد توقيع «اتفاق الإطار» بوساطة أمريكية لوقف القتال بين إسرائيل و«حزب الله». فالولايات المتحدة تريد تثبيت هذا الاتفاق واقعاً، وتعتبر أن استقرار الجنوب يمر عبر دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الرئاسة والجيش، كما تظهر هذه الزيارة تنامي الانخراط الأمريكي في الملفات السياسية والأمنية اللبنانية، فبعد سنوات من الغياب النسبي، تعود واشنطن لتضع لبنان ضمن أولوياتها، ليس حباً في لبنان فقط، بل ضمن مقاربة أوسع لضبط حدود إسرائيل الشمالية ومنع توسع الصراع.
وثمة أبعاد سياسية لجهة استعادة شرعية الدولة، فالزيارة تمنح العهد الجديد شرعية دولية كبيرة، فلقاء رئيس الجمهورية بالرئيس ترامب هو اعتراف أمريكي بأن القرار في لبنان عاد إلى مؤسساته الرسمية، ويعتبر أمراً مهماً في الداخل اللبناني، حيث يسعى الرئيس عون إلى تأكيد احتكار الدولة للقرار الحرب والسلم. والتمسك بخيار المفاوضات كوسيلة لتحقيق ما يريده لبنان، ومن الطبيعي، لأن الزيارة ستكون لتقييم نتائج مفاوضات روما، ووضع آليات لضمان الانسحاب من «المناطق التجريبية». ومن أبرز ما تسعى إليه بيروت هو تعزيز الدعم الاقتصادي والعسكري للبنان، إضافة إلى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.
وتشكل إعادة الإعمار أحد الملفات الرئيسية في لقاء القمة، إذ إن حجم الدمار والخراب هائل جداً، وبستدعي قراراً دولياً للتدخل في هذا الملف، وهنا تشترط الولايات المتحدة، الإصلاح كقاعدة رئيسية لاطلاق الإعمار، وهو أمر ليس سهلاً في ظروف مهولة يتخبط فيها لبنان.
في مقابل ذلك، ثمة تحديات يواجهها الرئيس عون، فالرأي العام اللبناني يريد نتائج فورية: انسحاب إسرائيلي وتمويل الإعمار، في حين أي تأخير سيُحسب على العهد، . كما عليه إقناع مكونات لبنانية بأن التقارب مع واشنطن لا يعني التخلي عن الثوابت الوطنية، بمعنى ان أي تفاهمات مستقبلية ستكون منسجمة مع السيادة اللبنانية ومصالح الدولة.
