في السابع من مارس، خرج الرئيس الإيراني معتذراً إلى دول الجوار، مؤكداً أن لا عداوة مع الخليج وأن ما جرى لا يعكس نية تجاه الأشقاء. وقبل ذلك، كرر وزير خارجية إيران أنها لا تستهدف دول الخليج، بل الوجود الأمريكي في المنطقة. كلام رقيق، يكاد يقنعك بأن الصواريخ الإيرانية تحمل بوصلة أخلاقية، تميز بين الجار والخصم، وبين الميناء المدني والقاعدة العسكرية.
لكن يبدو أن الصواريخ لا تحضر المؤتمرات الصحفية الإيرانية! فكلما أعلنت طهران أن معركتها مع واشنطن وحدها، وجدت المنطقة نفسها أمام مشهد مختلف، فأضحينا نقلب كفينا ونسأل: هل أضاعت طهران أهدافها الأمريكية؟ فالمطارات الخليجية وآخرها مطار أبها لم يكن مصالح أمريكية في أرض خليجية! كما أن ناقلات النفط الخليجية التي ترفع أعلام دولها ليست حاملات الطائرات الأمريكية التي ترفع العلم الأمريكي حتماً! فهل تساءلت طهران أين تقع هذه الأهداف؟
ربما يحتاج المسؤولون في طهران إلى تحديث خرائطهم، فواشنطن التي يبحثون عنها ليست في مطار خليجي، ولا في ناقلة نفط تعبر هرمز، ولا في ميناء مدني يفتح أبوابه للتجارة. وإن كانت الولايات المتحدة خصمهم حقاً، فلن يجدوها في أبوظبي أو المنامة أو الكويت أو الدوحة، إنها هناك أقرب إليهم من الفلك الخليجي، إنها متاخمة تماماً لسواحلهم، تدك طهران، وبندر عباس، وكرمانشاه و بوشهر.
وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية، فإذا كانت المشكلة مع واشنطن، فلماذا تتكرر آثارها على جغرافيا الجوار؟
ربما لأن السؤال نفسه صيغ على نحو خاطئ، فالمشكلة لم تكن يوماً أن إيران لا تعرف أين تقع الولايات المتحدة؛ فهي تعرف ذلك أكثر من غيرها. والمشكلة أيضاً ليست في أن صواريخها تضل الطريق، بل في بياناتها التي تحاول إقناع الآخرين بأن الطريق كان مختلفاً، فالتصريحات تستطيع أن تعيد صياغة الرواية، لكنها لا تستطيع أن تعيد رسم الجغرافيا. ولهذا، لم يكن الخليج يوماً بحاجة إلى تفسير إيراني لما جرى، لأن البحر رأى ما لم تستطع البيانات أن تخفيه، والخرائط حفظت ما حاولت التصريحات أن تنفيه.
ولهذا، لن يبقى في ذاكرة المنطقة ما قيل في البيانات الصحفية، بل ما كُتب في سمائنا وأرضنا وبحارنا، فالدول لا تستطيع أن تبني أمنها على الخطابات حين تتعارض مع الوقائع، قد تمنح الدبلوماسية فرصة، لكنها تعود دائماً إلى الخرائط، فالبيانات تُكتب بالحبر، أما الذاكرة الاستراتيجية فتُكتب بالنار التي تعبر الحدود، وبالآثار التي تتركها الضربات في ذاكرة الدول.
