الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

انكسار الهدوء في الخليج.. أسبابه وتداعياته

22 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 22 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
انهيار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، بعد ثلاثة أسابيع فقط من توقيعها في السابع عشر من يونيو، لا يستحق أن يُقرأ كحادثة عابرة في نزاع ثنائي متجدد، بل كإعادة إنتاج لمعضلة عرفتها منطقة الخليج من قبل، ما عُرف ب«حرب الناقلات» بين 1984 و1988، حين تحولت مياه الخليج إلى ساحة استنزاف بين طرفين متحاربين.
الفارق اليوم أن الطرفين المتحاربين ليسا دولتين إقليميتين، بل قوة عظمى ونظام إقليمي يخوض معركة وجود، وهذا يجعل هامش المناورة الخليجي أضيق مما كان عليه في الثمانينيات.
لم تكن مذكرة التفاهم، تسوية تنهي الأزمة، بل مجرد هدنة فرضتها الظروف. فكل طرف دخلها وهو ينظر إليها بطريقة مختلفة. واشنطن اعتبرت أن ضرباتها حققت الهدف المطلوب، وأن الوقت مناسب لترتيب الأوضاع في المضيق وفق رؤيتها. أما طهران، فكانت ترى أنها خرجت من أخطر مراحل المواجهة، لكنها لم تكن مستعدة للتخلي عن أوراق قوتها قبل أي تفاوض جديد.
ولعل هذا ما يفسر هشاشة التفاهم منذ البداية. فالجميع كان يدرك أن أي مواجهة جديدة لن تقتصر على الولايات المتحدة وإيران، بل ستمتد آثارها إلى المنطقة كلها، ثم إلى العالم. فحركة الطاقة والتجارة العالمية تمر عبر الخليج، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعاً على الاقتصادات. ولفهم سبب هذا الانهيار السريع، يجب النظر إلى الموقف من زاويتين. فواشنطن دخلت التفاهم وهي تعتقد أنها حققت أهدافها، ضرب البرنامج النووي الإيراني في فوردو ونطنز وأصفهان، وإضعاف قدرة طهران على المناورة. لكن التفاهم لم يعالج الملفات الجوهرية، من نسبة التخصيب إلى العقوبات والأرصدة المجمّدة، بل أجّلها إلى جولة لاحقة. وحين قامت إيران باستهداف ناقلات نفط في المضيق، وجدت إدارة ترامب في ذلك ذريعة كافية لاستئناف الضغط العسكري، خصوصاً أن الداخل الأمريكي ينظر إلى «الحسم» بوصفه أكثر جاذبية سياسياً من «التفاهم الهش». أما الجانب الإيراني، فالصورة مختلفة تماماً، وهذا ما يفسر لماذا لم تتخلَّ طهران عن ورقة المضيق حتى في أضعف لحظاتها، فهي الأداة الوحيدة المتبقية التي تضع كلفة حقيقية على الطرف الأقوى.
أما إذا نظرنا إلى مستقبل المواجهة، فأعتقد أن المنطقة أمام ثلاثة مسارات محتملة. الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، أن يبقى التصعيد تحت سقف معين، بحيث تستخدم الأطراف القوة والضغط لتحسين مواقعها، ثم تعود في النهاية إلى مسار تفاوضي جديد. والثاني، فيقوم على استمرار المواجهة لفترة أطول من خلال عمليات محدودة ومتبادلة، بما يبقي المنطقة في حالة استنزاف دون الوصول إلى حرب شاملة.
أما الاحتمال الثالث، فهو توسع المواجهة نتيجة خطأ في الحسابات، وهذا هو الاحتمال الذي ستسعى معظم الأطراف إلى تجنبه. وبالتأكيد، إن الخليج سيكون من أكثر الأطراف حرصاً على منع وصول الأمور إلى هذا الخيار.
ومن هنا، فإن الخليج يجد نفسه أمام معادلة دقيقة. فهو ليس طرفاً مباشراً في المواجهة، لكنه في الوقت نفسه الأكثر تأثراً بنتائجها. ولهذا، تبدو الأولوية الخليجية اليوم مختلفة عن أولويات أطراف الصراع. فدول الخليج لا تبحث عن توسيع دائرة المواجهة، بقدر ما تسعى إلى منع انتقالها إلى أراضيها أو محيطها الإقليمي، مع الحفاظ على علاقاتها الدولية، وعدم التفريط في أمنها أو مصالحها الاقتصادية.
في المقابل، فإن المحافظة على الاستقرار لا تعني تجاهل المخاطر. فالمنطقة أثبتت أن الاعتماد على فترات الهدوء وحدها ليس كافياً. لذلك ستواصل دول الخليج تعزيز قدراتها، وتطوير أدواتها السياسية، وتقوية التنسيق فيما بينها، ليس بهدف الانخراط في الصراع، وإنما لضمان امتلاك خياراتها في بيئة إقليمية متغيرة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي: إلى أي مدى يمكن أن يصل التصعيد قبل أن تعود لغة السياسة؟
في تقديري، فإن ما يحدث اليوم هو محاولة لإعادة ضبط قواعد العلاقة بين القوى المتنافسة، أكثر من كونه استعداداً لحرب طويلة. فالتصعيد في كثير من الأحيان يكون جزءاً من التفاوض، ومحاولة لتحسين شروط أي تفاهم قادم. لكن يبقى الاحتمال الأخطر قائماً، وهو أن تخرج الحسابات السياسية عن مسارها، أو أن يقود خطأ في التقدير إلى تصعيد لا يريده أي طرف.
ولهذا، يصعب القول إن المنطقة تجاوزت مرحلة الخطر. فما يجري اليوم يكشف أن التفاهمات المؤقتة لا تكفي لبناء استقرار طويل الأمد، كما أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها أن تفرض نهاية دائمة للصراع. فالشرق الأوسط لا يزال يعيش مرحلة تتبدل فيها موازين القوى، وهي عملية لم تكتمل بعد، وقد تستغرق وقتاً قبل أن تستقر على واقع جديد.
لذلك، فإن انتهاء الهدوء الحالي لا يعني بالضرورة أن حرباً شاملة باتت وشيكة، لكنه يذكّر بأن الاستقرار الحقيقي لم يتحقق بعد، وأن ما تشهده المنطقة اليوم قد يكون مجرد محطة في أزمة ما زالت فصولها مفتوحة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة