الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ماذا تكتب المرأة؟

24 يوليو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 24 يوليو 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لا تكتب المرأة لأنها تعرف كيف تصيغ حروفاً على الورق؛ بل تكتب لتفهم العالم وتفهم ذاتها وتفهم المسافة الشاسعة بين ما تعيشه وما يطلب منها أن تعيشه. ومنذ أن بدأت المرأة تكتب، لم يكن من واجبها أن تغير العالم مباشرة، لكن واجبها الأكبر أن تقول الحقيقة كما تراها، لا كما يريدها الآخرون. فالكتابة التي تخاف من المجتمع أكثر مما تخاف من خيانة الحقيقة، تتحول إلى صدى باهتاً لا إلى أدب حي.
والمرأة حين تكتب، لا تكتب من موقع محايد تماماً لأن الكتابة النسائية في جوهرها نوع من التضامن الإنساني العميق، حتى إن لم تعلن ذلك مباشرة فصوتها حين يظهر في الأدب لا يكون مجرد إضافة جمالية إلى المكتبة الإنسانية؛ بل يكون كشفاً جديداً للحياة من زاوية طال تجاهلها.
إن الأدب الذي تكتبه امرأة يحمل بطبيعته أثر التغيير الذي حصل تجاه المرأة في المجتمع، كما يحمل أيضاً آثار عدم التغيير وهو بحد ذاته فعل تغيير كبير. والكتابة النسائية ليست ابنة الانتصارات فقط؛ بل هي أيضاً ابنة الجراح المستمرة، فقد تكتب امرأة اليوم بحرية أكبر من نساء كثيرات سبقنها، لكنها ما زالت تصطدم بأسئلة قديمة.
وليس على الأدب الذي تكتبه المرأة أن يحمل مسؤولية التغيير وليس مطلوباً من كل رواية أن تتحول إلى صرخة احتجاج، فالكاتبة غير مجبرة على أن تكون مخلصة في كتاباتها للنساء، لكنها حين تكتب بصدق يقودها صدقها إلى مواجهة كل ما يؤذي وجود المرأة، لأنها تعرف أن هناك نساء أخريات يعشن في دوائر الخوف والقهر والعنف والحرمان من الصوت ولا يتمتعن مثلها بالأمان والاستقرار.
وليس مطلوباً من الكاتبة أن تتحول إلى أداة لتبرير الظلم الواقع على النساء لأنها ليست حارسة للأعراف؛ بل شاهدة على الإنسان، فالأدب العظيم لم يولد يوماً من المجاملة؛ بل من القدرة على النظر إلى الجرح الإنساني دون خوف.
وأخطر ما قد يحدث للكاتبة أن تقنع نفسها بأن معاناة النساء الأخريات لا تعنيها؛ لأنها نجت شخصياً، فالفرد قد ينجو، لكن الأدب الحقيقي لا يكتب من منطقة النجاة وحدها؛ بل من منطقة الإحساس بالآخرين أيضاً. ومعاناة النساء قضية إنسانية عابرة للحدود والمرأة الكاتبة ليست منفصلة عن امرأة أخرى في مكان بعيد محرومة من التعليم أو الحرية أو الأمان.
ولهذا لا ينبغي أن تكتب الكاتبة قضيتها الشخصية فقط؛ بل أن تروي قصص الآلام الإنسانية في العالم ما دام في الكتابة متسع يشمل الآخرين.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة