في عالم التكنولوجيا، اعتاد المستثمرون الاعتقاد بأن المستقبل ملك للشركات الناشئة فقط، وأن الشركات العملاقة التي برزت في تسعينيات القرن الماضي أصبحت جزءاً من التاريخ. وخلال السنوات الماضية تعرضت أسماء كبيرة، مثل «ديل» و«نوكيا» و«سيسكو» و«إنتل»، لموجات من التشكيك والسخرية، ووصفها البعض بأنها «ديناصورات تقنية»، فقدت قدرتها على المنافسة في عصر الهواتف الذكية، والحوسبة السحابية، والتطبيقات الحديثة. لكن المفاجأة الكبرى جاءت من حيث لم يتوقع أحد.
فمع الانفجار العالمي في تقنيات الذكاء الاصطناعي، اكتشف المستثمرون أن الثورة الجديدة لا تقوم على البرمجيات وحدها، ولا على الشرائح الإلكترونية فقط، بل تحتاج إلى بنية تحتية هائلة تضم الخوادم العملاقة، وشبكات الاتصالات فائقة السرعة، ومراكز البيانات، والألياف الضوئية، وأنظمة الربط المتقدمة. وهنا برزت الشركات القديمة من جديد باعتبارها تمتلك بالفعل ما تحتاج إليه ثورة الذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لتقارير مالية تناولتها وكالة «بلومبيرغ»، أضافت مجموعة من هذه الشركات ما يقارب 1.7 تريليون دولار إلى قيمتها السوقية خلال الفترة الأخيرة، في تحول وصفه بعض المحللين بأنه أحد أكبر التحولات الاستثمارية في تاريخ قطاع التكنولوجيا.
فلسنوات طويلة اعتُبرت شركة «ديل» مجرّد شركة تقليدية لصناعة أجهزة الكمبيوتر الشخصية، بينما كانت الأنظار تتجه نحو شركات البرمجيات والحوسبة السحابية.
لكن، مع تصاعد الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ارتفعت الحاجة إلى خوادم عالية الأداء قادرة على تشغيل النماذج الضخمة ومعالجة كميات هائلة من البيانات. وهنا وجدت «ديل» نفسها في قلب الحدث.
فقد شهدت الشركة طلباً استثنائياً على خوادم الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي دفع سهمها إلى تحقيق قفزات قوية، وسجل في إحدى الجلسات ارتفاعاً تجاوز 33%، خلال يوم واحد، في إشارة واضحة إلى أن البنية التحتية أصبحت لا تقل أهمية عن البرمجيات نفسها.
وربما تمثل «نوكيا» أفضل مثال على الشركات التي اعتقد الجميع أنها انتهت إلى الأبد. فبعد أن كانت تسيطر على سوق الهواتف المحمولة عالمياً، تعرضت لانهيار كبير مع ظهور الهواتف الذكية الحديثة، وخسرت مكانتها التاريخية أمام منافسين جدد.
لكن ما لم ينتبه إليه كثيرون هو أن «نوكيا» لم تختفِ، بل أعادت بناء نفسها بهدوء في قطاع مختلف تماماً. فقد ركزت على شبكات الاتصالات، والألياف الضوئية، وتقنيات الربط بين مراكز البيانات، وهي المجالات التي أصبحت اليوم العمود الفقري لاقتصاد الذكاء الاصطناعي.
ومع تزايد الاستثمارات العالمية في البنية التحتية الرقمية، عادت «نوكيا» لتلعب دوراً محورياً، وسجل سهمها ارتفاعات كبيرة، وصلت إلى نحو 120% في بعض الفترات، لتتحول من شركة اعتُبرت ضحية للتطور التكنولوجي إلى إحدى المستفيدات الرئيسيات منه.
وعندما يتحدث العالم عن الذكاء الاصطناعي فإنه يركز غالباً على المعالجات والبرمجيات، لكنه ينسى أن البيانات يجب أن تنتقل أولاً عبر شبكات معقدة، وسريعة، وآمنة.
وهنا يأتي دور شركة «سيسكو»، التي لا تزال تسيطر على جزء كبير من البنية التحتية للشبكات حول العالم.
فمع إنشاء مراكز بيانات جديدة وتوسع شركات الذكاء الاصطناعي في بناء قدراتها التشغيلية، عادت منتجات «سيسكو» إلى الواجهة باعتبارها جزءاً أساسياً من المنظومة الرقمية الجديدة. وهكذا استعادت الشركة جزءاً كبيراً من بريقها الذي فقدته بعد انفجار فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية.
أما «إنتل»، الشركة التي رفضت الموت لعدة سنوات، فكانت هدفاً للانتقادات بسبب تراجعها أمام منافسين جدد في سوق الرقائق الإلكترونية، حتى إن بعض المحللين وصفها بأنها «شركة ميتة تمشي على قدميها».
غير أن الطفرة غير المسبوقة في الطلب على الحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي أعادت الأنظار إلى الشركة. فالعالم يحتاج إلى قدرات تصنيع ضخمة، وإلى تنويع مصادر إنتاج الرقائق الإلكترونية، ما منح «إنتل» فرصة جديدة لإعادة التموضع في السوق.
ونتيجة لذلك، حقق سهم الشركة مكاسب قوية تجاوزت 200% خلال موجات الصعود المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لتؤكد أن الشركات العريقة لا تموت بسهولة.
إن أهم ما كشفته ثورة الذكاء الاصطناعي هو أن العالم انشغل، لسنوات، بالواجهة التي يراها المستخدم، بينما تجاهل البنية التحتية التي تعمل خلف الكواليس.
فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى نماذج لغوية وبرمجيات ذكية فقط، بل يحتاج أيضاً إلى خوادم ضخمة، ومراكز بيانات، وشبكات اتصالات، وألياف ضوئية، وأنظمة تبريد وطاقة كهربائية هائلة. وهذه هي المجالات التي تمتلك فيها الشركات العريقة خبرة تراكمية تمتد لعقود.
لذلك لم تكن عودة «ديل» و«نوكيا» و«سيسكو» و«إنتل»، مجرد موجة مضاربة في الأسواق المالية، بل كانت اعترافاً متأخراً بأن الثورة التكنولوجية الجديدة تحتاج إلى الأساسات القديمة، بقدر حاجتها إلى الابتكارات الحديثة.
لقد ظن كثيرون أن هذه الشركات أصبحت من الماضي، لكن الذكاء الاصطناعي أثبت أن بعض «الديناصورات» لا تنقرض، بل تنتظر اللحظة المناسبة فقط، لتعود إلى صدارة المشهد من جديد.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة
