لكل فن لغته ووسيلته في الوصول إلى الإنسان، فالرسم يخاطب العين، والموسيقى الأذن، والسينما تبهرنا بالتقنيات، بينما يتسلل الأدب إلى العقل، ليبقى المسرح هو الفن الوحيد الذي يجمع كل هذه العناصر في لحظة إنسانية واحدة.
وبين الأدب والمسرح علاقة وطيدة، فهما يبدآن بالكلمة، والمسرح يولد من النص قبل أن يتحول إلى عرض بالصورة لذلك أطلق عليه اسم «أبو الفنون».
والعلاقة بين المسرح والمتفرج علاقة مشاركة وجدانية يصبح فيها الأخير جزءاً من التجربة التي يعيشها بصدق ولحظة حية لا يمكن استنساخها.
وربما لهذا السبب ظل المسرح عبر التاريخ أكثر الفنون قدرة على مناقشة القضايا الإنسانية الكبرى، فمن خلاله ناقش الإنسان العدالة والسلطة والحب والخيانة والحرية والهوية والموت، لأن هذه القضايا لا تحتاج إلى مؤثرات بصرية، بقدر حاجتها إلى إنسان يقف أمام إنسان آخر يتحدث إليه بصدق ويشاركه أسئلته ومخاوفه وآماله.
وليس من قبيل المصادفة أن كثيراً من أعظم الأعمال الأدبية في العالم كانت أعمالاً مسرحية، وكُتّاب المسرح لم يكونوا مؤلفين للنصوص، بل دارسين للنفس البشرية وقادرين على كشف تناقضاتها ودوافعها وأحلامها، فهم يعرفون أن الكلمة على المسرح لا تقرأ وإنما تقال ويجب أن تمتلك القدرة على تحريك المشاعر فور سماعها.
غير أن المسرح في بعض تجاربه المعاصرة بدأ يبتعد عن هذه الحقيقة عندما انشغل بالعروض الصاخبة التي أصبحت تمور بالمؤثرات البصرية والديكورات المبهرة والإضاءة الساطعة والموسيقى الصاخبة.
إن ما يمنح المسرح قوته الحقيقية ليس ضخامة الديكور ولا تطور التقنيات ولا كثرة الإمكانات، وإنما حضوره الإنساني المباشر، فقد يقف ممثل واحد على خشبة شبه خالية، لكنه يستطيع أن يجعل مئات المتفرجين يضحكون أو يبكون أو يصمتون في اللحظة نفسها، وهذه القدرة لا تنبع إلا من الصدق الذي يخلقه اللقاء المباشر بين الإنسان والإنسان وما يخبره عنه.
وليست المشكلة في استخدام التقنيات الحديثة، ولكن المشكلة أن تتحول هذه الوسائل إلى غاية بدلاً من أن تكون أدوات في خدمة النص والممثل، فعندما تطغى الضوضاء على الكلمة وتطغى الحركة على الحوار وتصبح المؤثرات هي البطل الحقيقي يفقد المسرح شيئاً من روحه، لأن المتفرج ينصرف إلى متابعة ما يحدث حول الحكاية بدلاً من أن يعيش الحكاية نفسها.
الإنسان بحاجة إلى المسرح الذي لا يكتفي بسرد الحكاية أو إبهاره بالصورة، بل يعيده إلى تجربة إنسانية خالصة، ويدعوه إلى أن يعيشها معه من خلال خشبته التي تعد من أكثر المساحات صدقاً في التعبير عن الحياة.
