لعلّه من تحصيل الحاصل القول إن أحداً في العالم ما كان يسعه، قبل فترة، أن يتخيّل إدارة أمريكيّة تُقْدِم على فرض عقوبات على دول أوروبا، مثلما يحصل اليوم ويزعزع أبنيةَ الثّقة المتبادَلة التي قامت بينهما منذ عقود. الأوروبيّون متفاجئون ممّا يحصل لهم وما يقع عليهم من جزاء قاسٍ من دولة كبرى حليفٍ لهم. هذا أقلّ ما يقال في وصف هذه النّازلة: قسمٌ منهم حانق على واشنطن وناقمٌ يحرِّض جمهوره عليها مطالباً النّخبةَ الحاكمة في دولته بردِّ صاعِ أمريكا صاعَيْن، وفي جملة هؤلاء مَن يدْعون أوروبا إلى الذّهاب في التّعاون مع الصّين إلى حدود الشّراكة الاستراتيجيّة.
هذا، على الأقلّ، ما يبدو على سطح العلاقة الأمريكيّة - الأوروبيّة في عهدها الرّاهن، إبّان ولاية دونالد ترامب الثّانيّة، وعلى صعيد خطاب الوعيد الأمريكيّ وخطابات الاحتجاج الأوروبيّة، ، بل هذا ما يمكن للعالم أن يراهُ في تلك الحزمة الكبيرة من العقوبات الاقتصاديّة المفروضة على دول الاتّحاد الأوروبيّ من إدارة ترامب.
من غيرِ حاجة بنا إلى الإيغال في التّاريخ الماضي للعلاقات السّيّئة بين أمريكا وحلفائها الأوروبيّين، وما ألْقَتْهُ هيمنتُها من كبير الأضرار على المصالح الاقتصاديّة الأوروبيّة، تكفينا تجربةُ عشرين عاماً الأخيرة من فرض العقوبات الاقتصاديّة الأمريكيّة على العالم لترفع الغطاء عن حجم العقاب الذي مارسته واشنطن على دول «الاتّحاد الأوروبيّ» من وراء إجبارها تلك الدّول على مجاراتها في سياسات العقاب تلك وإلزامها الدّولَ إيّاها بفرْضها على الدّول المعادية للسّياسات الغربيّة، وتحديداً التي اختارت أمريكا أن تواجهها باستخدام سلاح الحصار والعقوبات الاقتصاديّة. إن نموذجاً واحداً منها - هو روسيا - يكفي لبيان النّتائج الاقتصاديّة السّلبيّة التي عانتها دولُ «الاتّحاد الأوروبيّ» من وراء إجبارها على مجاراة الولايات المتّحدة الأمريكيّة في تطبيق العقوبات على هذا البلد.
لم تكن إدارة باراك أوباما هي مَن دشّن سياسة العقوبات الاقتصاديّة ضدّ روسيا، لكنّها سارت فيها ووسّعتها إلى حدٍّ بعيد من غير أن تفرضها كَرْهاً على دول أوروبا، لكنّ سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم، في عام 2014، أحدثت منعطفاً في علاقات واشنطن وعواصم أوروبا بروسيا، فدفعتِ الأولى إلى إطلاق حزمة من العقوبات الاقتصاديّة على روسيا لدفعها إلى التّراجع، وما كان على دول الاتّحاد الأوروبيّ سوى أن تنضمّ إليها، جنباً إلى جنب مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة والمملكة المتّحدة وكندا، ضمن نطاق ردٍّ شامل قدَّم نفسَه بوصفه موقفاً جامعاً للمنظومة الأطلسيّة. ومع أنّ خسائر أوروبا في تلك العقوبات كانت كبيرة في عامها الأوّل (2015) وقُدِّرت بمئة مليار دولار.
منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في فبراير 2022، ستقطع الأضرارُ الاقتصاديّة الأوروبيّة من العقوبات شوطاً شاقّاً مرّت فيه بطوريْن: طورٌ أوّل خلال عهد جو بايدن، وطورٌ ثانٍ منذ بدأتِ الولايةُ الرّئاسيّة الثّانيّة لدونالد ترامب. في الطّور الأوّل، دفعت دولُ الاتّحاد الأوروبيّ ثمناً فادحاً من انخراطها في تطبيق سياسة العقوبات على قطاع الطّاقة في روسيا وتوقّفها عن استيراد حاجياتها من الغاز الرّوسيّ، إذْ وجدت نفسها تحت رحمة أسعار باهظة أمريكيّة كلّفتها الكثير من مواردها. أمّا في الطّور الثّانيّ فدفعت ثمناً أفدح من المشاركة في تطبيق العقوبات حين باتت هي نفسُها عرضةً لعقوبات قاسية تبدّت في شكل فرْض رسوم جمركيّة أمريكيّة عليها. على أنّه ما عادت خسارتُها من حرب أوكرانيا خسارةً اقتصاديّة تحمَّلتها أملاً في ردع روسيا واستنزافها وحفظ الأمن الأوروبيّ، فحسب، بل أمستْ خسارةً سياسيّة وجيواستراتيجيّة حين تركتها أمريكا ترامب وحدها تواجه الضّغط الرّوسيّ على أوكرانيا.
إذن، إنّ دول الاتّحاد الأوروبيّ هي ثاني من يتضرّر، بعد روسيا، من استخدام سلاح العقوبات الاقتصاديّة الأمريكيّ، وإنّها لا تعدو أن تكون مأموراً يُطلَب منه تنفيذ سياسات مَن بيده الإمرة في عالم اليوم، وليست شريكاً للسّيّد في ما يفعله.
