في عالمٍ ما زال ملايين الأطفال فيه يواجهون تحديات في الحصول على تعليم جيد، يبقى المعلم حجر الأساس في بناء المستقبل. ومن هذا الإيمان، انطلقت جائزة «اليونسكو - حمدان لتطوير أداء المعلمين»، التي أطلقها المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم عام 2008، لتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالمعلم الذي يقف أمام السبورة ويصنع الأجيال.
لم يكن الشيخ حمدان ينظر إلى التعليم بوصفه خدمةً تقدمها الحكومات، بل حقاً أصيلاً لكل طفل، أينما كان. وكان يؤمن بأن أفضل هدية يمكن أن نقدمها لطفل في قرية نائية هي معلمٌ أفضل، لأن المعلم الجيد يغيّر حياة الطالب، والطالب يغيّر مستقبل مجتمعه.
ولذلك، لم تتحول الجائزة إلى مناسبة بروتوكولية لتوزيع الجوائز، بل أصبحت منصة عالمية تنقل أفضل الممارسات التعليمية إلى الأماكن الأكثر احتياجاً، وتمنح الأمل لملايين الأطفال الذين قد لا يعرفون شيئاً عن الإمارات، لكنهم استفادوا من رؤيتها الإنسانية.
وفي هايتي، ساعد أحد البرامج الفائزة على تدريب 8,000 معلم، واستفاد منه أكثر من 350 ألف طالب في جميع أنحاء البلاد، فيما تم تخصيص 70% من برامج التدريب للمدارس الريفية التي تعاني نقصاً في الموارد والدعم. وفي بنين، أسهم مشروع آخر في تدريب أكثر من 4,500 معلم، وتوعية 2,500 أسرة، والوصول إلى أكثر من 250 ألف طفل، عبر نشر ثقافة التعليم الخالي من العنف وتعزيز قيم السلام والتسامح. أما في البرازيل، فقد نفذ برنامج «المسارات التدريبية» 883 نشاطاً تدريبياً خلال عام واحد، أسهم في تطوير 16,728 معلماً وتحسين جودة التعليم لأكثر من 132,934 طالباً.
هذه الأرقام التي تذكرها صفحة «اليونسكو»، لا تمثل مجرد إحصاءات، بل قصص إنسانية بدأت بمعلم اكتسب مهارة جديدة، وانتهت بطفل وجد فرصة أفضل للحياة، وأسرة استعاد أفرادها الثقة بأن التعليم قادر على كسر دائرة الفقر والعنف وصناعة مستقبل أكثر أملاً.
لم يزر الشيخ حمدان بن راشد تلك القرى البعيدة، ولم يلتقِ هؤلاء الأطفال، لكنه آمن بأن التعليم حق لكل طفل، وأن المعلم هو نقطة البداية لأي نهضة حقيقية. لذلك، تجاوز أثر الجائزة حدود الإمارات، ليصل إلى مدارس متواضعة في قرى منسية، حيث تحولت فكرته إلى أمل، وأصبح إيمانه بالمعلم سبباً في تغيير حياة مئات الآلاف من الأطفال حول العالم.
* المندوب الدائم للإمارات لدى «اليونسكو» سابقاً
