كانت العودة إلى المدارس في الإمارات في السبعينيات والثمانينيات مختلفة تماماً عن اليوم. لم تكن موسماً للتسوق، ولا سباقاً على الحقائب والأحذية والأجهزة، ولم تكن البيوت تدخل في حالة استنفار قبل بدء الدراسة بأسابيع. كانت المسألة أبسط من ذلك بكثير، وربما كانت فرحتنا بها أكبر.
في السنوات الأولى من قيام الاتحاد، كان اليوم الأول يحمل طقوسه الخاصة. يدخل المعلم الفصل ويوزع علينا كراسات زرقاء، وقلم رصاص وبرّاية وممحاة لكل تلميذ، ثم يضع علبة الطباشير البيضاء الجديدة بجانب المسّاحة على طرف السبورة السوداء.
وبنبرة واثقة يقول: «سنذهب الآن إلى مخزن المدرسة لاستلام الكتب». فنخرج في صف منتظم، ويكون أمين المخزن بانتظارنا، ليسلم كلاً منا كتب التربية الإسلامية واللغة العربية والعلوم والحساب والتاريخ والجغرافيا، إضافة إلى كراسات الموسيقى والنسخ والرقعة. ثم نعود إلى الفصل حاملين الكتب الجديدة على أذرعنا النحيلة، سعداء بما نحمله وكأننا حصلنا على كنز.
كانت رائحة الكتب والدفاتر الجديدة وحدها كافية لتعلن بداية عام جديد. نكتب أسماءنا عليها بعناية، ولم نكن نسأل عن العلامة التجارية للحقيبة أو القلم؛ فالمهم أن تؤدي الأشياء وظيفتها وأن تبقى معنا أطول فترة ممكنة.
وقبل انتهاء الحصة الثالثة، تصل التغذية المدرسية. صندوق خشبي يحتوي على عصير أو حليب في عبوة ورقية هرمية الشكل، وخبز الصمون مع جبنة المثلثات، وحبات من التفاح أو البرتقال توزع على التلاميذ. كانت وجبة بسيطة، لكنها بقيت في الذاكرة أكثر من وجبات كثيرة جاءت بعدها.
حتى أحاديث العودة من إجازة الصيف كانت مختلفة. لم نكن نتبادل قصص السفر إلى أوروبا ومدن العالم؛ فالكثير منا لم يعرف في الصيف سوى «المقيض»، حين تنتقل الأسر من القرى والمناطق الساحلية إلى أماكن أخرى داخل الإمارة بحثاً عن جو ألطف. أما أوروبا والعالم البعيد فكنا نزورهما بخيالنا من خلال خرائط وكتب الجغرافيا.
لم تكن لدينا شاشات ذكية ولا أجهزة لوحية ولا إنترنت، وكانت المدرسة متواضعة في مبناها وإمكاناتها، لكنها كبيرة في مكانتها.
اليوم تغيرت الإمارات، وتغيرت مدارسها وأجيالها، وهذا تطور نفخر به. وليس المطلوب أن نعيد أبناءنا إلى زمن مضى، بل أن نحتفظ بشيء من روحه: احترام المعلم، وقيمة الكتاب، والفرح بالقليل.
فقد كنا نملك أشياء أقل، لكن الأشياء الصغيرة كانت تعني لنا الكثير.
