كيف ترى، جنابك شخصيّاً، غياب العلماء والمفكّرين عن الساحات العربيّة؟ لا ينصرفنّ الذهن إلى أن السؤال غمز من قناة أيّ قناة، جرّاء استضافة «أهل المغنى»، وعلى حمَلة رايات الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا، أن يتهيّبوا صعود جبال التألق. الذين يتألقون، هم أولئك الذين تحرّروا من جاذبية العالم العربي، وارتادوا فضاءات المؤسسات العالمية، مثل وكالة الفضاء الأمريكية، أو تنوبلوا، فعندئذ هم من الملأ الأعلى في العلوم.
القضيّة محيّرة، فليس من السهل القول الفصل، إنها مشكلة سياسيّة، ولا إنها أبعد من ذلك زمنيّاً. لا يخلو الإلحاق بالسياسة من التجنّي، فتفخيخ الإشارة بأن التنميات المتعثرة، لا ترغب في فتح الأبواب على مصاريعها للعلوم والبحث العلمي، وهي ميادين نهمة من حيث ابتلاع الميزانيات، إذ تفضل اللمسات السطحية الخارجية، وما بها من بهارج تخطف الأبصار، على التحولات الجذرية، التي لا مناص منها إذا تناغم العمل وتكامل، بين الفكر والعلوم. يغدو التغيير في العمق.
أمّا المقصود المغلّف، من القول إن خلفيات المشكلة أبعد من ذلك، فالحقيقة هي أن تاريخنا، بالرغم من الذرى العلمية التي بلغتها الحضارة الإسلامية، شهد تحديات صعبة واجهتها الفلسفة والعلوم. من الاستهانة بالتحقيق العلمي، التشكيك في أنه لا دخان من دون نار. هل يستطيع عاقل نزيه، تبرير تواري الفلاسفة بعد العملاق، ابن رشد؟ هل يقدر ذو فكر راجح منصف، تفسير خلوّ وسائط الإعلام العربية، من المجلات والمطبوعات العلمية؟ لا نريد ألفاً ولا مئةً، هل ثمة رقم أقل من واحدة، حتى لا يقال للعربي: «فغُضَّ الطرْفَ، ليس لديك علمٌ..فلا نيتشرْ بلغتَ ولا سَيَانْسْ».
يجب أن تقطع جهيزة الاستدلال قول كل مجادل. من أقدر من المفكّرين والعلماء، وهم الأدمغة الفذّة، على إيجاد الحلول لغياب المفكرين والعلماء، في ساحات التوعية؟ إذا كان أهل التكوير يستطيعون صبّ الشعوب في الشوارع والميادين، على بكرة أبيها، فمن المعيب أن يتقرفص أصحاب الفكر والعلوم قائلين: «إنا ها هنا قاعدون». هل لصفوة النخب أن تقدّم دليلاً واحداً على أنها ضحية إقصاء متعمّد؟ إذاً، ما هو سبب تخليها عن أداء واجباتها الحيوية إزاء أوطانها؟.
لزوم ما يلزم: النتيجة العجبيّة: عندما يدرس الأجانب أوضاع التنميات المتعثّرة، يقولون: عجباً، هذه المئات من الملايين، ليس لهم مفكّرون وعلماء؟.
