بعيداً عن السياسة التي قال فيها الإمام محمد عبده، بعد أن اكتوى بنارها في القرن التاسع عشر: «لعن الله ساس ويسوس وما اشتق منهما»، أما وقد اكتويت مثله، فإنني ممن يذهبون إلى أن الإنسان العربي -بمختلف انتماءاته ومستويات تعليمه- يجب أن يحوز حداً أدنى من المعرفة بتاريخ وطنه وأمته، ومراحل تكوينها الحضاري، وارتباط قوتها بتعدد روافد ثقافتها، وتنوع إبداعات عقول أبنائها.
ولذلك، فإن الحديث الذي بدأته عن الرهبنة ودور الرهبان العرب، هو جزء لا يتجزأ من تكويننا الثقافي العربي، وعنصر من عناصر التعدد أو التنوع الذي يكفل مزيداً من القوة المعنوية.
ولقد أشرت للأب الراهب أنستاس ماري الكرملي ودوره في دراسة اللغة العربية، وفي المجامع اللغوية والعلمية، وأرى أنه من الوارد أن نعرف شيئاً عن الرهبنة الكرملية، التي انتسب إليها.
والرهبنة الكرملية رهبنة كاثوليكية، استقرت عند نشأتها في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي بالقرب من نبعة إيليا في جبل الكرمل، الذي يقع في شمال فلسطين، ضمن سلسلة جبال ساحلية تطل مباشرة على البحر المتوسط وميناء حيفا، وتصل أعلى قمة فيه -وهي قمة عين الحايك- إلى ارتفاع 600 متر فوق مستوى سطح البحر.
وقد أسس النساك تلك الرهبنة، ووضع لها البطريرك البرتوس قانون الحياة الكرملي بين عامي 1206 و1214 ميلادية.
وتعتمد الرهبنة على الصلاة والتأمل والعزلة والعيش بكلمة الله، وشهدت إصلاحاً لاهوتياً في القرن السادس عشر على يد القديسة تريزا والقديس يوحنا الصليب، اللذين أسسا الكرمليين الحفاة.
وتضم الرهبنة -إلى جانب الرهبان والراهبات- فئة علمانية، أي مدنية، من الملتزمين بروحانية الكرمل.
وللرهبنة ثوب مميز ويسمونه «الاسكابولير البني» ويعد رمزاً دينياً كاثوليكياً وعلامة حسية للتكريس -الاعتماد- المريمي، نسبة للعذراء مريم، التي يقولون إنها ظهرت للأب القديس سيمون ستوك رئيس الرهبنة في يوليو 1251 ميلادية، ومنحته هذا الثوب كعلامة حماية وأخوة.
وهناك تقاليد وقواعد في الرهبنة الكرملية لارتداء هذا الثوب، تجعله شيئاً مقدساً، لأنه صمم وارتدي من أجل الصلاة، وبالتالي فإنه إذا صار قديماً واهترأ فلا يرمى في النفايات، ولكن يتم إحراقه أو دفنه في الأرض إكراماً له.
وعليه، فإنك عزيزي القارئ إذا صادفت راهباً يرتدي ثوباً بني اللون فاعلم أنه كرملي.
