سمعت أحدهم يصف مواقع التواصل الاجتماعي بأنها ساحات للملاكمة، وأجد في مثل هذا الوصف دلالة عميقة على التراشق الكلامي والمعارك اللفظية، والتي لها تأثيرات بالغة وكبيرة على الروح الإنسانية، ونستطيع وضعها في قالب واحد وهو انتشار التنمر على نطاق واسع، حيث تسقط مبادئ الحياء تماماً عند البعض من الحسابات على تلك المواقع، ونشاهد عدم انضباط ولا مسؤولية، وبالتالي انفلات قاس وابتعاد عن السلوكيات القويمة، وتجرّؤ على إيذاء الآخرين بكلمات عنيفة وقاسية، وباتهامات وتزوير للحقائق.
وأجد أنه تم استسهال توجيه النقد، لدرجة الانحراف التام عن المسار البناء، وبات طريقاً واحداً نحو الهدم والتكسير وتدمير الروح المعنوية.
متابعة لمنصات التواصل، يمكن الملاحظة بسهولة حالات من تتبع عثرات الآخرين، والسخرية من كل شيء من صورهم أو ظروفهم، أو كلماتهم، وتحويل الأخطاء الفردية لمادة للتسلية والابتذال، وتعميم هذه الأخطاء الفردية على الناس جميعاً.
أيضاً نجد التعصب ماثلاً وبشكل واضح، حيث حالات الاستقطاب قوية وهناك إلغاء لأي مساحة للاختلاف، ومعها يتحول الاختلاف في الرأي إلى عداوة، ومشاحنة، وقتال لفظي، واتهامات، وتشويه للسمعة والمكانة.
والمشكلة أن القسوة والتنمر لهما تبعات بالغة، لأن الكلمة السلبية المكتوبة تظل تتردد في أذهان المتلقين، وخاصة من هم في مقتبل العمر، وبالتالي قد تساهم في تفتيت وتفكيك الثقة بالنفس. وكما هو معروف عن طبيعتنا البشرية، فإن الجراح تلتئم بعد مضي الوقت، لكن المشكلة الحقيقية هي في جراح النفس، والتي تبقى ماثلة وتأثيرها يستمر. ونتيجة لهذا، قد يظهر شعور بالدونية عند البعض، أو العزلة والقلق، والابتعاد عن المشاركة أو تقديم أي إبداع بسبب الخوف من المحاكمات القاسية، بل إن الاعتياد على القسوة على مواقع التواصل الاجتماعي قد يولّد جفافاً في التعاطف، وتصبح الإهانة عادية، ولا شك أن هذا خلل نفسي.
وتبقى حالات التنمر، والقسوة، والتهكم، والألفاظ الجارحة، وغيرها الكثير، حالات ماثلة على مواقع التواصل الاجتماعي، يجب حماية أنفسنا منها، واستخدام التدابير التقنية التي تكفل المنع والحظر، وطرد هؤلاء المنفلتين.
وفي نفس اللحظة نحتاج ما يسمى الحصانة، لكن هنا نحتاج حصانة رقمية أخلاقية، وأعتقد أن ميدان العمل لإنشاء هذه الحصانة يبدأ مع صغار السن، وهم في الروضة والتمهيدي، والسنوات الأولى من التعليم، هناك يمكننا غرس بذور القيم والمبادئ والأخلاق.
