الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حين تسرقنا السرعة

2 أغسطس 2026 00:24 صباحًا | آخر تحديث: 2 أغسطس 00:25 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
نعيش اليوم في زمنٍ يركض فيه كل شيء، ونحن دائماً في عجلة من أمرنا، نحاول أن نتشبّث بكل شيء نريد إنجازه، ويكاد لا ينتهي اليوم إلا والإنجاز على حاله، وربما أقل بكثير من المتوقع. والسؤال الأهمّ الذي يتردد في أروقة أذهاننا صباح مساء: إلى متى سنظل في عجلة من أمرنا، من دون إنجاز لافت أو متقن؟
نمسك هواتفنا الذكية ونلتصق بها في كلّ لحظةٍ من ساعات اليوم، حتى غدت هذه الشاشات الصغيرة تُسيِر تفاصيل حياتنا وتسرق منّا صفاء اللحظة، ومتلازمة التصفح لا تنتهي وتنعكس سلباً على مجريات حياتنا.. تشتت التركيز وتبعثر الجهود.
والأنكى من ذلك، أنّ هذه العجلة لم تعد مجرد سلوك شخصي، بل انتسبت إلى أسلوب قيادتنا على الطرقات. وكم مرّةٍ تعرّضنا، أو كان أحبتنا عرضةً لحوادث مروريةٍ أليمة، لم تكن سوى وليدة نظرةٍ خاطفةٍ شردت فيها أذهاننا إلى إشعارات الهاتف؟ ورغم أنّ القوانين وضعت ردعاً ماليّاً تمثّل في 800 درهم لكلّ مخالفة انشغال بالهاتف أثناء القيادة، فإنّ هوس التفقد المستمرّ ما زال يغلب لغة العقل والحرص على الحياة.
وليس الهاتف وحده ما يلتهم هدوءنا ويزيد توتّرنا، بل سمة «الاستعجال» عموماً، ففي كلّ مرة نتوجه فيها لتجديد أوراق المركبة سنوياً، نُفاجأ بضرورة دفع مخالفاتٍ مروريةٍ باهظة، تثقل كواهلنا وتنغّص فرحتنا. وغالباً ما تتلخص تلك المخالفات في تجاوز السرعة المقدرة لكلّ شارع، وتكون الصدمة أنّ التجاوز لم يكن سوى بمقدار ضئيل جداً عن السرعة القانونية.
تلك الفروق اليسيرة، التي لم تمنحنا سوى ثوان معدودة من الوصولِ المبكّر المفترض، أكلت مبالغ ليست بالهينة. ولكن متى نتعلّم من أخطائنا التي تتكرر سنوياً على هذا النحو؟ ولا نعلم في حقيقة الأمر: متى يأتي اليوم الذي نتعظ فيه حقاً، بدلاً من الدوران في هذه الحلقة المفرغة بين الركض والدفع؟
إنّ ديدن الحياة المعاصرة أصبح متسارعاً ومُجهداً، سرعة في الإنجاز، وانكباب على الشاشات، وسباق لا ينتهي في مضمار التواصل الرقمي. ونعلم يقيناً أنّ الانضباط الحقيقي والاستقرار النفسي لن يأتيا إلا بالعودة الجادّة إلى طبيعتنا، والعيش في تفاصيل واقعنا الملموس.
نحن بحاجة ماسّة إلى التخفيف قدر الإمكانِ من الانشغال بالهواتف، وتقليل ساعات متابعة تطبيقات مواقع التواصل التي سرقت هدوءنا وجعلت السرعة قانوناً مسيطراً حتى على مقود السيارة، نحتاج إلى أن نتأنّى بحياتنا وننجز بتروٍّ كي نتصفح بعدها الإنجازات ونربطها بسنوات عمرنا والعقود التي مرت علينا.
دعونا نهدّئ من الاستعجال اليومي، ونتأمل تفاصيل حياتنا ونستمتع بها، والحياة أجمل بكثير من أن نعيشها عبر شاشةٍ دافئة تعرض أرواحنا وأموالنا للخطر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة