تتزايد الدعوات حول العالم إلى ضبط ثمرات العلوم والتكنولوجيا بضوابط أخلاقية وإنسانية تمنع انفلات الثورات العلمية المتلاحقة وحوكمة استغلالها لخدمة البشرية، وكانت آخر هذه الدعوات ضبط استخدامات الذكاء الاصطناعي وحوكمته وتقنينه، وبادرت تسع وعشرون دولة إلى تبني إنشاء كيان دولي في هذا الشأن.
فالعلوم الإنسانية والتطبيقية هي ثمرة العقل البشري، وتنمو وتتطور وتتفرع وتنتشر ثمراتها، وهي ليست حكراً على إقليم أو دول بعينها، ولا يحق لأحد أو دولة أن تحتكر استخدامات هذه العلوم، أو تسخيرها لغير نفع الإنسانية.
فالعلوم تراكم لا يتوقف من المعارف والتطبيقات التقنية التي تصب في نهاية الأمر في صالح ترقية الحياة البشرية وتحسين شروطها، وتقدم المجتمعات وتبادل المنافع والثمرات والخيرات. لذلك ليس غريباً أن ترتبط فلسفة العلم الإنساني والتطبيقي على الدوام بالأخلاق التي تضع الضوابط الإنسانية لاستخدامات نتائج العلوم.
وفي غياب الأخلاق والضوابط الإنسانية تتحول الممارسة السياسية والحروب إلى أزمات وكوارث ماحقة. وفي الذاكرة البشرية مازالت تفوح رائحة الغازات السامة التي استخدمت في معارك فردان والسوم في الحرب العالمية الأولى، والقنبلة الذرية التي استخدمت لإجبار اليابان على الاستسلام في نهاية الحرب العالمية الثانية، وقنابل النابالم الحارقة في سهول وغابات فيتنام، وقذائف اليورانيوم المنضب والقنابل الفوسفورية والعنقودية في الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة والحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان.
لا يقتصر الأمر على تسخير ثمرات العلوم في الشر، بل يستوي في ذلك تجاهل القول الفصل للعلم في تفسير كثير من الظواهر الطبيعية.
المثال الساطع على محاولة تجاهل العلم، ادعاء الرأسمالية العالمية المتوحشة والشركات العابرة للقارات، إن علم الاحترار الكوني والتغير المناخي كاذب، ونتائجه مبالغ فيها، رغم أن الشواهد المنظورة للعيان تثبت عكس ذلك.
ما تنبّأ به العلماء في اللجنة الدولية الحكومية لدراسة التغير المناخي، يتحقق يومياً. ففصول الصيف باتت تأتي مبكراً، والشتاء يتأخر، والمخزون الجليدي في القطب الشمالي يتناقص، ومستويات سطح البحار ترتفع ودرجة حرارة مياهها تزيد، وتلفُّ العالم أعداد متزايدة من الأعاصير المدمرة، ومواسم الجفاف والحرائق.
المعرفة العلمية تمنح المجتمعات البشرية القدرة على التعامل بعقلانية ورشد مع الطبيعة لصالح ترقية الحياة والانتفاع بما تجود به من خيرات. أما علم من غير أخلاق أو ضوابط فيسهل تسخيره في الإضرا ر بالحياة البشرية، وإلحاق الأذى بالبيئة الصالحة للحياة الإنسانية.والاستثمار في العلوم واجب أخلاقي لنفع البشرية لا استخدامه للتدمير.
أوجب الواجبات اليوم أن تقوم السياسة بدورها في توجيه العلم لخدمة مصالح البشرية والقيم الإنسانية، حتى لا يتحول العلم تحت هيمنة السياسة والمال إلى أداة للسيطرة وتعظيم الأرباح من دون نظر إلى الخسائر الفادحة المترتبة على غياب الأخلاق والرشد.
