شهد العصر المحوري، الممتد لألف عام قبل ميلاد المسيح، تشكيل علاقة خاصة جداً بين اليونان، أمة الفلسفة والأدب، وبين الرومان، أمة القانون والسياسة. فاق الرومان أسلافهم في القوة العسكرية وشيدوا إمبراطورية فرضت سلامها على نصف المعمورة، ولكن استمرت الفلسفة اليونانية مصدراً لإلهام العالم الروماني، وأصبح الطرفان معاً بمثابة جذر مشترك، وهو الجذر الكلاسيكي اليوناني الروماني، لمفهوم الغرب الحضاري. إنها العلاقة نفسها التي ربطت أوروبا بأمريكا الشمالية. فأوروبا، المتفردة بالثقافة الحديثة، اكتشفت واستوطنت أمريكا. وأمريكا، الغنية بالموارد الطبيعية، تفوقت جسدياً على أوروبا بعد أربعة قرون من اكتشافها. وعلى هذا استمرت أوروبا، بتقاليدها الثقافية، هي القارة الأم، فيما صارت أمريكا، بقدراتها الشاملة، هي الدولة القطب.
من رحم تلك العلاقة التكاملية ولد مفهوم الغرب الاستراتيجي، وتبدت أهميته الكبيرة خصوصاً في القرن العشرين. فبعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من دمار اقتصادي وخسائر بشرية، نمت الأفكار التشاؤمية حول انهيار القارة العجوز، بفعل افتقادها لما أسماه البعض ب «الحيوية الدافقة»، كما نظَّر أزوالد اشبنجلر في كتابه: «أفول الغرب»، وهو المعنى نفسه الذي كان الفيلسوف نيتشه قد سبق إليه وتنبأ بحدوثه قبل ذلك بنصف قرن على الأقل. بعد الحرب العالمية الثانية، طرح سؤال الهوية بدرجة أكثر من الحدة، وبقدر من الشك طال كل المستويات، إلى الحد الذي دفع صامويل ويلسون إلى الحديث عن سقوط الحضارة الغربية، ودفع كثيرين غيره إلى الكتابة عن نهاية المعنى وضياع الإنسان. احتاجت أوروبا إلى عقدين من الزمان للخروج من أزمتها الوجودية تلك، استناداً إلى ركيزتين: أولاهما هي أمريكا، الدولة القطب التي كرست طاقتها لإعادة إعمار القارة الأم بمشروع مارشال، ثم لحمايتها بحلف الناتو من الخطر السوفييتي، وكذلك من التحالفات العدوانية التي كانت ورطتها في الحربين الكبريين. وثانيتهما الإرث الثقافي العميق والتقاليد التاريخية الراسخة لديها، كونها القارة التي جسدت لقرون عدة جُلّ التقاليد الغربية، المعرفية والسياسية، وتمكنت بفضلها من ارتياد قمة الحضارة الإنسانية، وصياغة مسميات الزمن الثقافي الحديث من عصر النهضة إلى التنوير إلى الحداثة. ومن ثم استقر لديها شعور عميق بالجدارة التاريخية، والقدرة على استعادة المسار الواعي لتاريخها. تلك العلاقة التكاملية بدأت في التشقق مع أحداث 11 سبتمبر 2001، التي وظفتها أمريكا في الحرب على العراق وأفغانستان، باعتبارها حرباً صليبية وتطبيقاً محضاً لتطبيق نظرية صدام الحضارات التي وضعها صامويل هنتنجتون سيفاً على رقاب المشرق الحضاري. رفضت أوروبا التوصيف الصليبي للحرب، لكن لم تستطع منعها، بل إنها تعرضت للتقسيم الأمريكي التعسفي بين أوروبا الجديدة، التي خرجت من الهيمنة السوفييتية وانصاعت لخياراتها السياسية والعسكرية، فجرى امتداحها. وأوروبا القديمة التي ناكفتها، خصوصا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فجرى هجاؤها. الأمر نفسه تكرر في إطار الجدل حول الحرب الروسية الأوكرانية، التي استُدرجت إليها أوروبا بفعل جموح الحليف الأمريكي إلى توسيع «الناتو»، فإذا بأمريكا تعود وتتنكّر لأوروبا التي وصفها ترامب بأنها عبء على بلاده.
والحقيقة أن أوروبا ليست عالة استراتيجيه على أمريكا، وإن بدت كذلك فلأنها غير واعية برسالتها الجوهرية، تستجيب لترامب بنفس منطقه، سواء برفع إنفاقها العسكري إلى 5% من ناتجها القومي، أو نحو نزعة هجومية كألمانيا التي قررت إنشاء صندوق قيمته 100 مليار يورو لبناء جيش قوي. خطورة ذلك المنطق أنه يثير الهواجس القديمة إزاء النزعة العسكرية الألمانية، خصوصاً لدى فرنسا التي طالما نظرت إلى ألمانيا كشريك في قيادة الاتحاد، يلعب دور الرافعة الاقتصادية وليس دور الرافعة العسكرية الذي احتفظت به فرنسا لنفسها، ومن ثم يهدد بنقل الانقسام من الحيز بين أمريكا وأوروبا إلى داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. ومن ثم فخلاص أوروبا الحقيقي يتطلب استجابة نقيضاً، تعي رسالتها الثقافية، وتعيد تعريف دورها العالمي، فلا تبقى قارة عجوزاً، ظلاً عسكرياً باهتاً لأمريكا التي يزداد انفلاتها يوماً بعد آخر من قواعد النظام الدولي، بل تصير قارة حكيمة، ترعى رأياً عاماً عالمياً مستنيراً يسهم في صناعة ضمير إنساني، ويتبنى مواقف عادلة من الصراعات الجارية، تسهم في إيقاف دائرتها الجهنمية. فمن خلال عملية إعادة التعريف هذه تستطيع أوروبا ليس فقط تأمين حدودها وتحقيق مصالحها، بل أيضاً المساهمة في إنقاذ أمريكا من نفسها.
