مرّ على الفكر المعاصر حينٌ من الدّهر ساد فيه الاعتقاد بأنّ قدرة الأديان والفكر الدّينيّ على توجيه إدراكات النّاس وسلوكيّاتهم باتت قدرةً متضائلةً، إلى حدٍّ بعيد، في الأزمنة الحديثة، بل هي توشِك أن تزيد تضاؤلاً في المراحل القادمة. والاعتقادُ هذا لم يُبْنَ على ملاحظةِ وجوهِ الحضور والغياب للتّأثيرات الدّينيّة في الحياة الخاصّة، فحسب، بل كان من أبنيته تحليلُ ظواهرَ اجتماعيّة عديدة كان للدّين وتعاليمِه ومؤسّساتِه أثرٌ كبير في منظومة علاقاتها قبل أن يزاحِم ذلك التّأثيرَ دخولُ عواملَ أخرى غير الدّين والخطاب الدّينيّ في تشكيل الوعي والاعتقاد وفي الهندسة الاجتماعيّة.
كان كلُّ شيءٍ في النّظام الدّينيّ في العالم يبدو متراجعاً: أعدادُ المؤمنين والملتزمين بأداء الشّعائر وبالسّير على مقتضى التّعاليم في السّلوك والاستنان بسُنَّةِ الأقدمين من رجالات الدّين، الاختفاءُ التّدريجيّ للخطاب الدّينيّ في الشّؤون العامّة، تآكلُ منظومة التّشريع الدّينيّ في الشّؤون العامّة وتزايُد ضِيق مساحتها حتّى في مدوّنات الأحوال الشّخصيّة، المواقعُ المرموقة التي كانت للنّخب الدّينيّة في الدّولة أو في المجتمع أو فيهما معاً...إلخ. في المقابل، بَدَا كما لو أنّ سلطة التّأثير في التّفكير صارت إلى العلم، وسلطةَ الحكم والتّشريع آلت إلى القوانين الوضعيّة، وخطابَ العلمانيّ أعلى صوتاً وأبعد أثراً في النّاس من خطاب رجل الدّين. هكذا، وجدتِ الأديانُ والمؤسّساتُ والنّخب الدّينيّة نفسَها أمام تَحَدٍّ كبير بَدَا لِكثيرين وكأنّه تحدٍّ وجوديّ يتجاوز القدرة على المنافسة والتّماسُك إلى القدرة على البقاء!
لم تكن بلدانُ الغرب وحدها التي داهمها هذا الاعتقادُ بتراجُع الدّينيِّ في حياتها العامّة، بل شاركتْها في ذلك بلدانُ الجنوب وإنْ بدرجةٍ أقلّ، من جهة، وبتفاوتٍ بينها من جهةٍ ثانية. لا حاجة، هنا، إلى تنفيلٍ في بيان أسباب التّشابُه والاختلاف بين العالميْن، إذْ يُعْزى التّشابُه إلى واقع أنّ بلدان العالم قاطبةً دخلت - بتفاوتٍ - تحت أحكام قانون التّحوّل الذي أطلقته الرّأسماليّةُ والحداثة وقيمُها الثّقافيّة، يستوي في ذلك من دخل تحته متقدّماً (الغرب) ومن دخل متأخّراً (عالم الجنوب). أمّا الاختلاف بينهما في درجة كثافة ذلك الاعتقاد (بتراجُع الدّينيّ) فمردُّهُ إلى قانون التّفاوُت في التّطوّر.
من المسلّم به أنّ تغيُّراً كبيراً حصل في علاقة النّاس بالأديان التي تعتنقها على النّحو الذي ما عاد حضورُها في يوميّاتهم المعاصرة يناظر ما كان عليه، قبْلاً. لسنا نعني، هنا، أنّ الإيمان بالأديان نَقَص أو هَزَل عمّا كان عليه، بل نقصد أنّ صلات الحياة العامّة والخاصّة بمنظومات الأوامر والنّواهي في الأديان وتعاليمها في الشّؤون الدّنيائيّة بَدَت كما لو أنّها ضَعُفَت وزاحمتها منظوماتٌ قانونيّةٌ وضعيّة أخرى، سرعان ما فرضت نفسَها على المجتمعات وروعيَتْ أحكامُها وافتُرِض على النّاس التزامُها والخضوعُ لها. في بلدان الغرب انسحب التّأثير الدّينيّ من الحياة العامّة إلى الحياة الخاصّة تاركاً للقوانين الوضعيّة أن تدبّر الشّؤون العامّة، أمّا في بلدان الجنوب فلم يكن الانسحاب كاملاً على الرّغم من أنّ مساحة التّأثير الدّينيّ ضمُرت، كثيراً، بحيث كاد أن يشمل ضمورُها ميدانَ الأحوال الشّخصيّة في قسمٍ من ذلك العالم، خاصّةً بلدان العالم الإسلاميّ. على أنّ ذلك الانحسارَ الملحوظ في المعظم من مجتمعات العالم ما كان انحساراً للإيمان الدّينيّ على الإطلاق، بلِ العكسُ هو الصّحيح، إذْ ما تفتأ الأديانُ - توحيديّةً كانت أو غير توحيديّة -، حتّى اليوم، تُبدي مقدِرةً هائلةً على الاستمرار والامتداد والتّوسُّع في مناخٍ حادّ من سيادة القيم المادّيّة، وعلى كسب المزيد من المؤمنين في العالم، وما برِحتِ القيمُ الدّينيّة الكبرى تفرض نفسها مصادرَ لأفضل التّشريعات الإنسانيّة المعاصرة.
إذا شئنا أن نعيد تعريف هذه الحالة من انحسار تأثير الأديان في الحياة العامّة لمجتمعات اليوم، جاز لنا أن نقول إنّ الأديان هذه انتقلت من حالٍ كانت فيها - في الماضي - هي المرجعيّة العليا الوحيدة للاجتماع الإنسانيّ، بها تنتظم أحوالُه وتُقامُ قواعدُه، إلى حالٍ جديدة تتحدّد فيها الأديانُ بوصفها مرجعيّةً من مرجعيّات أخرى عدّة: مرجعيّة روحيّة في المجتمعات كافّة، ومرجعيّة تشريعيّة جزئيّة في بعض تلك المجتمعات. وما غيَّر ذلك الانحسار - ولا هو سيغيّر - من تلك العلاقة العاموديّة للنّاس مع المطلق المستمرّة حضوراً وتجدُّداً المتجسّدةِ في الإيمان. هذا يعني، بالتّبِعة، أنّ الاعتقاد بحتمية زوال الأديان فرضيّةٌ ذهنيّة مغلوطة يكذّبُها الواقعُ والتّاريخ.
