عندما تنتهي الحرب الأمريكية على إيران، لن تظل الأخيرة كما كانت منذ الثورة الإسلامية، عالقة في عزلتها، أسيرة أوضاعها المعقدة، فالأغلب أن تخرج من عنق الزجاجة وأن تعيد ترتيب علاقاتها مع الإقليم والعالم. ستتحرك إيران، ربما للأمام، إذا ما وقّعت اتفاق سلام نهائي مع الولايات المتحدة يفك الحظر عن أموالها، ويعترف ولو ضمنياً بدورها في الإقليم. وربما للخلف، حال انكسارها العسكري، وتالياً تأزمها الداخلي واضطرابها السياسي. لكنّ المشكلة أنها، في الحالين، تمثل خطراً على الأمن القومي العربي خصوصاً في الخليج. ولذا يتعين علينا كعرب أن لا نبقى محايدين تجاه حركتها القادمة، وأن نسهم في تهذيب مساراتها ودفعها إلى النقطة التي تخدم السلم والاستقرار.
كتب وزير الخارجية الإيراني الأسبق جواد ظريف، مقالاً في العدد الأخير من مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية الشهيرة، تحدث فيه عن مشروع للأمن الإقليمي، يحصره في نطاق غرب آسيا، أي في بلدان الخليج وإيران، مجادلاً بأن القواعد الأمريكية في دول الخليج لم تتمكن من حمايتها. وهنا تستطيع دول الخليج أن تجادله بأن أذرع إيران الإقليمية فشلت هي الأخرى في حمايتها من العدوان الأمريكي الإسرائيلي، فلا الحوثيون والحشد والعراقي تدخلوا بقوة وازنة، ولا «حزب الله» كان كافياً لإرباك إسرائيل، الأمر الذي اضطر إيران إلى خوض الحرب بنفسها وعلى أراضيها. بل إن «حزب الله» صار عبئاً علي إيران إبان مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، إذ تعين عليها رد الجميل له بإدخال لبنان في مذكرة التفاهم، وهو أمر مثّل ولا يزال عقبة كأداء أمام نجاح الاتفاق.
ما نرجوه هنا أن يتحول ذلك الجدل إلى عتاب صادق مع قراءة عميقة لكل ما جرى، تمهيداً للشروع في مرحلة المابعد. ولعل النقطة التي يجب الالتقاء عندها والانطلاق منها هي ضرورة بناء نظام أمن إقليمي، يعتمد بالأساس على إيران ودول الخليج، لكنه ينفتح لدول عربية وإسلامية وازنة، تنبع جميعها من جيوسياسية المنطقة وإرثها الحضاري المشترك، تسند الموقف الخليجي، وتمنحه ثقلاً ديمغرافياً وعسكرياً مكافئاً للوجود الإيراني. وليس أفضل من دول كمصر وتركيا وباكستان، التي شرعت في بناء تفاهمات مع السعودية، لم تكتمل بالطبع، ولم تتضح حدودها بعد، ربما كان الجزء الصلب فيها هو اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، والتي يمكن توسيعها لتضم مصر وتركيا وباقي دول الخليج، وإن لم يكن ذلك بالأمر السهل، فدونه عقبات شتى، يتطلب تجاوزها حواراً صادقاً وشجاعاً، وتفهماً كاملاً من كل طرف لشواغل وهموم الأطراف الأخرى.
كان المفكر الأمريكي الراحل صامويل هنتنجتون، في كتابه الشهير «صدام الحضارات»، رغم تهافت طرحه النهائي، قد أبدى ملاحظة بالغة الذكاء، وهي غياب دولة مركزية تقود الحضارة الإسلامية على منوال الصين في الحضارة الكونفوشية، والهند في الحضارة الهندوسية، وروسيا في الحضارة المسيحية الشرقية، والولايات المتحدة في الحضارة الغربية. وفي رأيه أن دولاً ست أساسية تتنافس على قيادة عالم الإسلام، لم تحقق أي منها الإجماع المطلوب حول قيادتها، لوجود قصور أساسي لدى كل منها. غير أنه يميز بين نوعين من القصور: النوع الأول بنيوي، يصعب تجاوزه، تعانيه أربع دول هي إندونيسيا وباكستان وإيران والسعودية. فإندونيسيا رغم حجمها السكاني الكبير، ونهضتها الاقتصادية المشهودة، تبقى دولة طرفية بعيدة عن قلب العالم الإسلامي. وباكستان تحوز الحجم الجغرافي، والتعداد السكاني والقدرة العسكرية والسلاح النووي، غير أنها فقيرة اقتصادياً، ومنقسمة اثنيّاً. وإيران تحوز كتلة حيوية متميزة، وموقعاً مركزياً في الشرق الأوسط، وثروة نفطية كبيرة، غير أن لغتها محلية لا تحوز شعبية اللغة العربية. أما السعودية فمهبط الإسلام الذي يمنحها نفوذاً روحياً هائلاً، فضلاً عن نفوذها المالي وثرائها النفطي، غير أنها تعاني عجزاً ديمغرافياً يجعلها معتمدة أمنياً على الغرب. وأما النوع الثاني فطارئٌ تعانيه تركيا ومصر. فتركيا يتوفر لها الحجم والموقع المناسبين، والبنية السكانية الجيدة، والتماسك الوطني والتقاليد العسكرية العريقة، ولكنها تُعرِّف نفسها كدولة علمانية، ذات توجّه غربي. أما مصر فتملك الموقع الجغرافي المركزي، والكتلة الحيوية المتميزة، والقدرات العسكرية الكبيرة، والأزهر كمؤسسة قائدة للتعليم الديني تمنحها نفوذاً ثقافياً، ولكنها فقيرة، تعتمد اقتصادياً على الغرب.
مرت ثلاثة عقود على وضع الكتاب أثبتت أمرين: أولهما إن مشرقنا الحضاري العربي الإسلامي لا يزال يحتاج اليوم، كما كان بالأمس، إلى القوة المركزية التي تدافع عنه، وترسم حدوداً للتدخل فيه. وثانيهما أنه لم يعد ممكناً لدولة واحدة، أيّاً كانت، النهوض بذلك العبء، وأن ثمة حاجة للتحالف بين تلك الدول جميعاً. وحتى لو استبعدنا إندونيسيا البعيدة، وإيران مؤقتاً، فإن تحالفاً بين البلدان الثلاث: مصر وتركيا وباكستان، مضافاً إليها دول الخليج، يبدو كافياً لصياغة كتلة استراتيجية وازنة، تضع خطوطاً حمراء حول ما تعتبره محرماتها ومقدساتها.
