الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فجوة مع التراث

13 أغسطس 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 13 أغسطس 00:06 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
انتشر فن الرواية بمعناه الحديث في العالم العربي بشكل كبير، خلال بدايات القرن العشرين، وأسفر ذلك الانتشار عن إنتاج العديد من الكتّاب حتى صار السرد الروائي ضمن الإبداعات الأولى التي تلقى قبولاً كبيراً من قبل القراء العرب، بل وتطوّر وأضحى ينهل من العديد من التيارات والمدارس. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن هناك فجوة واضحة بين السرد الحديث وبين التراث العربي الحكائي القديم، وهي الفجوة التي تكمن في انتقال الرواية العربية إلى القوالب الغربية الحديثة من دون أن يكون للتراث السردي العربي أثره الواضح.
كان السرد العربي القديم يعتمد على الحكايات، والمقامات، والسِّير الشعبية، وقصص الشخصيات، والأساطير؛ سواء كان ذلك مدون،اً أو شفاهياً متناقلاً عبر الأجيال. وكان من المفترض أن يشكل ذلك الموروث أساساً لانطلاقة سرد عربي حديث، أي: قصص وروايات تتكئ على ذلك الماضي، الجمالي والإبداعي، ولكن بدلاً من ذلك، تجاوز الكتّاب العرب كل هذا المنتج عندما شرعوا في كتابة فن الرواية الحديثة.
وكان النتاج الطبيعي لتلك التبعية أن الكثير من هذه الأعمال، باستثناء بعض التجارب البسيطة، غدت مغتربة على مستوى التناول؛ إذ صارت تطرح قضايا وواقعاً يختلف عمّا هو سائد في المجتمعات العربية. ولأنه لا يمكن الفصل بين مضمون السرد وأدواته، بدا كأن المؤلفين العرب قد استعاروا قضايا غريبة عن واقعهم ليتحدثوا عنها.
وتكمن المفارقة الحادّة في أن الغربيين أنفسهم نهلوا من التراث الجمالي العربي؛ بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث ترجموا أعمالاً كثيرة من موروثنا، مثل حكايات «ألف ليلة وليلة»، و«حي بن يقظان» لابن طفيل، و«رسالة الغفران»، لأبي العلاء المعري. واستلهموا منها مقوّمات السرد الغربي، بل وامتد هذا التأثير إلى أدب أمريكا الجنوبية؛ إذ بنوا سرديتهم الحديثة وعصر الأنوار على أسس مأخوذة من ذلك التراث. ويظهر هذا التأثير جلياً لدى أسماء لامعة مثل: بورخيس، وجارسيا ماركيز، وجوناثان سويفت، إضافة إلى ما يُشاع عن تأثر كوميديا دانتي المباشر بـ«رسالة الغفران».
ولكن بطبيعة الحال، ثمة كتّاب عرب ساروا على دروب التراث، ونقّبوا فيه، واقتفوا أثره فنهلوا منه. ولا شك في أن هناك تجارب باذخة في هذا السياق؛ منها مؤلفات نجيب محفوظ، وأعمال إيميل حبيبي، وجمال الغيطاني، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح. تضاف إلى ذلك تلك الكتابات التي بدأت تتجه نحو التاريخ العربي لتنقّب فيه، وروايات التصوف التي انفتحت على قصص وحكايات أقطاب الصوفية. وبناء على ذلك، تظل هناك دئماً حاجة ماسّة للعودة إلى التراث.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة