ما تقول في رتل شاحنات، محمّلة بالكتب، تفرغ حمولتها في مجاهل النسيان، المجاورة لغياهب أمّ قشعم؟ ستصرخ شاجباً: هذا افتراء على الأمّة، فلا يجول إلّا بخاطر خاطل باطل. لكن، هل تتغير المعطيات، إذا ألغينا الشكل المادّي، وأبقينا الصورة كفكرة مجرّدة؟ تأمّل المشهد في تجربة ذهنيّة، لا شاحنات ولا إتلاف كتب ورقيّة. ما الذي حلّ بالمكتبة التراثية، في 80% منها، في الأقل؟
المطلوب من أهل المبالغة ألّا يصبّوا زيت تراجع سلامة اللغة، وتواري الجماليات الأسلوبية، وكأنها وصمة في عصر المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، على زيت انعدام البدائل العصرية في العلوم والتكنولوجيا.
ما يصدم العقل، هو أنّنا كأننا مغيبون عن واقع العلوم والمعارف في الغرب والشرق الأقصى. مَن يا ترى أوهمنا بأن الأوروبيين انسلخوا من ميراثهم، عندما أنشأوا في كل حيّ مركز بحث علمي؟ هل نسيت الصين تاريخ حضارتها؟ لكثرة تردد أسماء لاو تسو وكونفوشيوس وصن تزو، تحسبهم أعضاء بارزين في الحزب الحاكم. المقام الخماسي العريق، لا يزال يتسيّد الموسيقى الصينيّة، بالرغم من أنها استقت الكثير من التقنيات والمهارات الأوركسترالية والتأليفية، من الموسيقى السيمفونية. طريف، أعطت آلاتها الصدارة. ظريف، لم تتخلّ عن الرومانسية القرونية في ثقافتها. أمّا الانضباط، فالشرق الأقصى مهد الانضباط والضبط بالمضبوط. حتى في العالم العربي، الأمل وطيد في أنه قبل نهاية القرن، ستختفي الفوضى غير الخلّاقة، كإصرار أهل المغنى على التصفيق تحريضاً للجمهور على أن يمسي فرقة تهريج. وعندما تندثر الدربكة، لن يحتاج الدربكجي إلى أصابع مصفّحة.
لا داعي إلى ذكر أن وسائط الإعلام الأوروبية، تبذل جهوداً في الحفاظ على اللغة. جريدة «لو فيغارو» تلعب منظومة أدوار في دعم الفرنسية ونشرها، وكأنها مجمع لغوي، وكذلك قناة التلفزيون الخامسة. ببساطة، نستطيع كعرب ادّعاء أننا نعشق التراث، عندما نشعر موقنين أن الماضي لم يمض، أنه حيّ فينا وبيننا، يقاسمنا الأفراح والأتراح، يجري في عروقنا، يهبنا السكينة، حين تهدهدنا الطمأنينة، ويرفع الضغط والأدرينالين، حين يجب ألّا نغترّ بأن نيوب الهيمنة العالمية وأذيالها تبتسم.
لزوم ما يلزم: النتيجة البحثية: ليت مجامع اللغة العربية تكلّف بضع عشرات من علمائها، بإعداد قائمة للكتب التراثية، التي انفضّ الناس من حولها، وتركوها قائمة في الرفوف. ستذهلون للكنوز المهملة.
